الصفحة الرئيسية
 حول الائتلاف
 أعضاء الائتلاف
 اللقاءات التنسيقية السنوية
 نشاطات الائتلاف
 إصدارات الائتلاف
 تقارير صحفية
 روابـط
 إتصل بنــا
   




 

 

.

 

حملة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين

 

خطـاب العــودة: أسـس ومقـومـــات

 

خلفية تاريخية

 

في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يحمل الرقم 181، بأكثرية 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10 عن التصويت يقضي بتقسيم أرض فلسطين إلى دولتين واحدة يهودية وأخرى عربية على أن ينشأ اتحاد اقتصادي بينهما.

 

لقد عارض الفلسطينيون والعرب هذا القرار الجائر لعدم توافقه مع القانون والعدل والديمقراطية. لقد أدى قرار التقسيم هذا إلى انفجار الوضع في فلسطين، وقامت تظاهرات واضطرابات دموية أدت إلى مقتل حوالي 1700 شخص من العرب واليهود. وفي ذات الوقت أعلنت بريطانيا إنها ستنهي إنتدابها على فلسطين في 15 أيار (مايو) 1948، أي قبل أشهر من الموعد الذي حددته الأمم المتحدة في القرار 181 لانهاء ذلك الانتداب. وعلى خلفية هذه الاضطرابات انعقد مجلس الأمن الدولي في 19 آذار(مارس) 1948 للنظر في أوضاع فلسطين. غير أن المجلس  لم يتخذ قراراً حازماً بوقف الاضطرابات التي تمثلت أساساً في اتخاذ الصهاينة ومنظماتهم الارهابية خطوات عديدة وسريعة بهدف تغيير الوضع ميدانياً وفرض وقائع على الفلسطينيين والعرب والعالم من الصعب تغييرها بسهولة. وأهم هذه الاجراءات شن الهجمات على السكان العرب وارتكاب المجازر والمذابح. لقد ادى هذا الوضع إضافة إلى الانسحاب البريطاني السريع إلى تفاقم وضع العرب الفلسطينيين وتشردهم، وفشل الامم المتحدة في اتخاذ إجراءات فعلية للسيطرة على الوضع.

 

وهكذا فإن قرار الامم المتحدة الرقم 181 في الوقت الذي كان شهادة الميلاد الرسمية الدولية الاولى والوحيدة لقيام دولة إسرائيل، فقد كان في الوقت نفسه وعلى المقلب الاخر يضفي طابعاً شرعياً لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وطرده في المنافي المختلفة، خلافاً للشرعة الدولية لحقوق الانسان، ومبادئ العدل والقانون الدوليين. لقد اعتبر القرار بحد ذاته استكمالاً لعمل لجنة الامم المتحدة الخاصة بفلسطين (UNCSOP) التي أنشئت بموجب قرار الجمعية العامة رقم 106 تاريخ 15 أيار (مايو) 1947 التي رفعت تقريرين للجمعية العامة يتضمن كل منهما إنشاء دولتين. وأكثر من ذلك، فإن إحدى اللجنتين دعت صراحة إلى قبول المهاجرين اليهود في الدولة اليهودية المقترحة بمعدل خمسة آلاف مهاجر كل شهر. وهذا يعني ضمناً الموافقة على الرؤية الاوروبية لمعالجة مشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة.

 

لقد استكملت عملية تهجير الفلسطينيين من ديارهم بعد المعارك غير المتكافئة، بين العصابات الصهيونية ومجموعات الدفاع عن المدن والقرى الفلسطينية، والدخول الاستعراضي الكاريكاتوري للجيوش العربية إلى فلسطين، والمجازر والمذابح التي ارتكبتها هذه العصابات في القرى والمدن، أبرزها مجزرتا دير ياسين وكفر قاسم، والعديد من المجازر التي كشف النقاب عنها في مراحل لاحقة كان آخرها مجزرة الطنطورة، التي أعلن عن اكتشافها أحد الباحثين الاسرائيليين من مراجعي التاريخ الجدد.

 

الفلسطينيون إلى اللجوء والمنفى

 

إن فشل الأنظمة العربية وجيوشها في تحقيق أي مكسب عسكري، وفشلها في تشكيل حاضنة وعمق جغرافي وبشري استراتيجي للمقاومة العربية في فلسطين، أدى فيما أدى إليه إلى تحويل ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني إلى لاجئين في المحيط العربي والمنافي الاخرى،  القريبة والبعيدة.

 

إن النكبة الحقيقية للشعب الفلسطيني لم تكن لتختزل في العجز عن مجابهة المشروع الصهيوني وتأسيس دولة إسرائيل فحسب، وإنما في تبديد وحدة الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية، وتحويل غالبيته إلى شعب مشتت لاجئ، وتحويل من تبقى منه على أرض الوطن إلى أقلية مهمشة، تعيش تحت أقسى أنواع العسف والفصل العنصري ... الخ.

 

لقد برهن الفلسطينيون، وفي أقسى الظروف، بما فيها ظروف اللجوء نفسها على تمسكهم بأرضهم ووطنهم، فالعديد من الفلسطينيين الذين تم إجلاؤهم قسراً عن ديارهم، قد اختاروا وجهة داخل الوطن وليس خارجه، وليس أدل على ذلك من مشكلة المهجرين الفلسطينيين داخل إسرائيل، أو تلك الجموع التي شكلت الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، التي اضطرت للجوء، ولكن داخل حدود فلسطين الانتدابية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

بعد انتهاء الانتداب البريطاني وإعلان قيام دولة إسرائيل في الخامس عشر من أيار (مايو) 1948، واحتدام الصراع بين الغزاة وأصحاب الأرض الشرعيين، وأمام هول الفظائع المرتكبة من مذابح وتهجير قسري بقوة السلاح، وبعد إقدام العصابات الصهيونية على اغتيال وسيط الأمم المتحدة لفلسطين السويدي الكونت برنادوت بسبب تقريره عن الفظائع المرتكبة بحق عرب فلسطين، وتوصياته الداعية إلى عودة اللاجئين الفورية إلى ديارهم وممتلكاتهم، توقفت الجمعية العامة أمام خطورة الوضع وأصدرت قرارها الشهير الرقم 194 الذي تشكل عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم ركيزته الأساسية.

 

القرار 194: مضمونه وكيف نفهمه

 

إن أهمية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 194 يكمن في أنه قد شكل أول اعتراف دولي رسمي من أعلى هيئة دولية بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. ولا يقلل من أهمية هذا القرار صدوره بعد عدة أشهر من إعلان قيام دولة إسرائيل. كما أن هذا القرار قد جاء بمثابة إعادة اعتبار لحق الفلسطينيين في وطنهم. هذا مع الإشارة إلى أن هذا القرار لم يشترط في أي بند من بنوده، اعتراف اللاجئين بدولة اسرائيل التي كانت قد أعلنت من قبل العصابات الصهيونية، قبل ذلك بعدة أشهر.

هذا مع العلم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ذاتها لم تكن قد اعترفت بدولة إسرائيل عند صدور هذا القرار. وعلى الرغم من أن هذا القرار قد عالج قضايا ومسائل جوهرية أخرى منها قضية القدس على سبيل المثال لا الحصر، إلا أن الأهمية الأساسية له تكمن في إقراره الواضح والصريح بعودة اللاجئين غير المشروطة إلى ديارهم وممتلكاتهم من جهة، وإيجاد هيئة دولية أوكلت إليها مهمة العمل على تطبيق بنود ومضمون القرار 194 في أقرب وقت ممكن، من جهة أخرى. هذه الهيئة هي هيئة التوفيق الدولية حول فلسطين   . UNCCP 

 

إن فشل هيئة التوفيق الدولية في تنفيذ ما أوكل إليها من مهام بسبب تعقيدات القضية الفلسطينية وموقف إسرائيل الرافض لعودة اللاجئين من جهة، ونزوع هيئة التوفيق ذاتها إلى إيجاد  حلول لموضوع اللاجئين لا تنسجم ومضمون القرار 194، القاضي بحقهم في العودة، تقوم على توطين اللاجئين حيث هم من جهة ثانية، إلا أن كل ذلك لا يقلل من أهمية هذا القرار كسلاح دولي مهم، على الفلسطينيين استخدامه على أفضل نحو في سياق كفاحهم من أجل استعادة حقوقهم الوطنية.

 

خطاب العودة بين النخب والوعي الشعبي

 

لقد أثبت الشعب الفلسطيني ومنذ حلول نكبة 1948 وتشتته وتبديد وحدته الوطنية تمسكه الحازم بحقه في العودة إلى وطنه، فحق العودة طغى على خطاب النخب السياسية الفلسطينية والعربية في مختلف مراحل كفاح الشعب الفلسطيني، فالعديد من الحركات السياسية الاجتماعية النقابية الفلسطينية قد تأسست في المراحل الاولى من اللجوء، على أساس رفض كل أشكال تصفية القضية، وعلى رأسها محاولات توطين اللاجئين بعيداً عن فلسطين.

 

لقد لاقت هذه النخب من خلال خطابها الداعي للعودة استجابة واسعة النطاق من جموع اللاجئين في كل أماكن وجودهم، داخل الوطن وخارجه، ولقد تجلت هذه الاستجابة الشعبية العارمة لخطاب العودة، في الانخراط الواسع للشباب الفلسطيني في الحركات السياسية الفلسطينية والعربية، التي تبنت فكرة العودة. وبنت برامجها وسلوكها على أساسه. كما تجلت أيضاً في الوعي الشعبي بأشكال متعددة من الممانعة الشعبية لمحاولات تفتيت وحدة اللاجئين، والحرص على إبقاء الصلات والروابط الوطنية بين أهالي المدينة الواحدة والقرية الواحدة، حيث استقروا بغالبيتهم في أماكن واحدة، حرصوا دائماً على أن تبقى قريبة من حدود فلسطين، على أمل العودة القريبة إلى الوطن. ولم تكن أماكن الإقامة القسرية في مخيمات بعيدة عن حدود فلسطين، رهنا بإرادة اللاجئين وإنما كانت أمراً مفروضاً من حكومات الدول المضيفة. كما تجلت الممانعة في رفض اللاجئين في المراحل الأولى للنكبة استبدال الخيم بمنازل إسمنتية، تؤشر إلى إمكان الإقامة المستديمة في مخيمات اللجوء واعتبارهم ذلك محاولات تآمرية تستهدف فرض مشاريع التوطين والقضاء على حلم العودة. إضافة إلى كل ذلك وكدلالة ساطعة على تمسك اللاجئين بوطنهم فلسطين، نذكر أن الفلسطينيين في لبنان على الأقل رفضوا بشدة كل محاولات التوطين عن طريق محاولات التجنيس التي كانت أمراً متيسراً خلال حقبة الخمسينات وأوائل الستينات.

 

لقد تطورت فكرة العودة وتأصلت في الثقافة الشعبية الفلسطينية، في التربية المدرسية من خلال الحكايات التي كان ولا يزال يرويها الكبار من الفلسطينيين ممن عاشوا ووعوا الحياة في فلسطين قبل النكبة وبعدها، تلك الحكايات التي تناقلتها الأجيال، أبقت فلسطين حية في ضمير كل كبير وصغير، وما قسم العودة (ملحق النص الكامل لقسم العودة) الذي يتلى صبيحة كل يوم في كل مدارس الفلسطينيين في المخيمات وخارجها، إلا دليل على تأصل فكرة العودة وتربية العودة في الوعي الشعبي الفلسطيني من جيل إلى جيل.

 

على الرغم من أهمية كل ذلك في تكريس فكرة العودة والتمسك الحازم بالحقوق. إلا أن كل هذه الفعاليات لم تخرج عن نطاق الممانعة السلبية، ولم تتطور إلى حالة من الفعل الإيجابي الحازم الذي يساهم في مراكمة نسبة قوى اقليمية ودولية، يمكن أن تفرض تحقيق العودة رغم أنف إسرائيل. لقد كانت الثغرة الرئيسية في تلك الحقبة من كفاح الشعب الفلسطيني في رهانه شبه الكامل على الدول العربية والمجتمع الدولي من أجل تحقيق العودة.

 

انضواء شعار العودة في إطار شعار التحرير

 

لقد بدأ الرهان على الأنظمة العربية والمجتمع الدولي يتراجع منذ أواسط الستينات، حيث بدأت الإرهاصات الأولى لانطلاقة جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية استندت إلى جملة من الأفكار الجديدة، روجت لها بعض النخب الفلسطينية، تقوم على ضرورة أن يأخذ الفلسطينيون قضيتهم بأيديهم واعتماد الكفاح المسلح طريقاً وحيداً لتحرير فلسطين، واعتبار فكرة العودة أحد مكونات مشروع التحرير.

           

لقد جاءت هزيمة حزيران (يونيو) وسقوط مقولات وبرامج النظام الرسمي العربي، لتعطي زخماً كبيراً للأفكار الجديدة التي خرجت من إطار التنظير النخبوي الضيق، لتغدو حالة جماهيرية عارمة، ليس على المستوى الفلسطيني فحسب، بل على المستوى العربي أيضاً. وهكذا بدت الثورة الفلسطينية المعاصرة كرد على الهزيمة وتداعياتها من جهة، وكبديل ثوري يشكل حالة متقدمة في ما طرحته من مشروع كفاحي جديد، على أنقاض رؤية، وبرامج الأنظمة العربية التي أسقطتها هزيمة حزيران.

 

لقد واجهت الثورة الفلسطينية المعاصرة على مدى العقود الماضية من كفاحها سلسلة من التعقيدات على جميع المستويات الداخلية والإقليمية والدولية صعوداً وهبوطاً، لم تتح للمشروع الوطني الفلسطيني أن يحقق أهدافه في التحرير، على الرغم من التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وعلى الرغم من أهمية الإنجازات التي تحققت بفعل هذه التضحيات، وأهمها إعادة الاعتبار للشخصية الوطنية الفلسطينية، وكسب الاعتراف الدولي الرسمي والشعبي بشرعية كفاح الشعب الفلسطيني من أجل حقه في العودة وتقرير المصير على تراب الوطن.

 

إن تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية المسلحة، وانتكاس شعاراتها إثر الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، وتعثر هذه الحركة على امتداد حقبة الثمانينات، لم يكن نهاية المطاف ونهاية العالم بالنسبة للشعب الفلسطيني. لقد جاءت انتفاضة الحجارة الباسلة داخل فلسطين لتعلن رفض الشعب الفلسطيني للهزيمة ولتؤكد أن شعبنا ما زال يمتلك من الإيمان بعدالة قضيته والإمكانات والطاقات، ما يمكنه من مواصلة كفاحه من أجل حقوقه المشروعة.

 

لقد جاءت هذه الانتفاضة الباسلة لتجسد التلازم الوثيق والعلاقة الجدلية التي لا تنفصم بين شعاري العودة والتحرير. فالشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع يخوض كفاحا مزدوجاً على هذا الصعيد. فهو يتوق لرفع كابوس الاحتلال عن صدره من جهة، ويتوق اللاجئون منه إلى العودة إلى ديارهم ومدنهم وقراهم الأصلية في فلسطين من جهة ثانية.

 

غير أن القيادة الرسمية الفلسطينية، بدلاً من أن تكرس كل اهتمامها لدعم انتفاضة الشعب وتطويرها، وفي الوقت الذي بدأت الانتفاضة تشكل كابوساً فعلياً ونزفا يومياً للاحتلال، الأمر الذي أدى إلى إرباكه وانتقاله من دائرة الفعل إلى دائرة رد الفعل، لجأت القيادة الرسمية الفلسطينية إلى استثمار ما أنتجته الانتفاضة من معطيات، على نحو استخدامي متسرع ولاعقلاني، بهدف فتح ممر يتيح للقيادة الرسمية الفلسطينية ولوج باب التفاوض مع إسرائيل بأي ثمن من الأثمان. لقد كان من نتائج هذه السياسة العقيمة القصيرة النظر إدخال الشعب الفلسطيني والقضية الوطنية برمتها في مأزق شديد الخطورة، تمثل في اتفاق أوسلو وتداعياته البائسة، التي حملت في أحشائها تهديدا فعليا بتصفية القضية الفلسطينية، وإسدال الستار على الحقوق الوطنية لشعبنا، ولا سيما حقه في العودة الى دياره وأرض وطنه.

 

مقومات، وأسس، خطاب العودة في اللحظة الراهنة

 

من نافل القول ان خطاب العودة الفلسطيني كما نراه ويراه آخرون من المثقفين والاكاديميين والناشطين في هذا الميدان، لا يشكل بديلاً عن مشروع التحرير الوطني الفلسطيني الذي رفعت لواءه الثورة الفلسطينية المعاصرة. إنما يشكل في المقام الاول حالة اعتراضية على المشروع الامريكي-الاسرائيلي الجارف، الذي يستهدف تصفية قضية الشعب الفلسطيني، التي تشكل قضية عودة اللاجئين إلى ديارهم إحدى ركائزها المفصلية. كما تشكل حالة استنهاضية ومحاولة لخلق ديناميات جماهيرية كابحة لاندفاع القيادة الرسمية الفلسطينية نحو الاستجابة للمطالب والاشتراطات الاميركية الاسرائيلية في ما يتعلق بثوابت القضية الفلسطينية الأساسية، وفي مقدمتها قضية عودة اللاجئين إلى ديارهم.

 

تتجلى هذه الاستجابة بشكل واضح كما برز من خلال مفاوضات كامب ديفيد، في محاولات تجزئة قضية عودة اللاجئين إلى ديارهم وتبديدها. ولا يقلل من أهمية هذه المخاوف والهواجس بالنسبة لقضية اللاجئين ما تحاول غير جهة ووسيلة إعلام في إبراز صمود المفاوض  الفلسطيني في المفاوضات، إزاء بعض المسائل الجوهرية وعلى رأسها قضية القدس.

 

من الأهمية بمكان التأكيد بأن خطاب العودة الراهن كما نراه، لا يشكل بأي حال من الاحوال انتقاصاً أو رفضاً لأي شكل من أشكال الكفاح الاخرى، بما في ذلك الكفاح المسلح (لمن استطاع إليه سبيلا) التي يمكن شعبنا أن يمارسها، تبعاً لطبيعة المرحلة والظروف التي يواجهها كل تجمع من تجمعات هذا الشعب داخل الوطن وخارجه.

إن خطابنا هذا يهدف، في ما يهدف إليه، إلى استنفار وجذب النخب الفلسطينية من المثقفين والناشطين على كل الصعد، من ذوي الأكف و العقول النظيفة. واعادة الاعتبار لدورهم التعبوي التنويري، كخطوة لا بد منها للخروج من حالة الانكفاء والإحباط بسبب ما آلت إليه أوضاع العمل الوطني الفلسطيني.

 

يرتكز خطاب العودة إلى جملة من المقومات والمفاهيم تتلخص بما يلي:

 

أولا:      إن خطاب العودة لا يستند إلى القرار 194 فحسب، بل إنه يجد دعائمه في عدد من الشرائع والمواثيق الدولية، أهمها الشرعة الدولية لحقوق الانسان، والاعلان العالمي لحقوق الانسان (المادة 13/2). ومعاهدة جينيف الرابعة، والمعاهدة الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية ( المادة 12/4). وفي هذا السياق، نؤكد على ضرورة فهم قرارات الشرعية الدولية، بما فيها قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الرقم 194، الذي ينص في فقرته الحادية عشرة على حق اللاجئين في العودة والتعويض، وهنا لا بد من إزالة أية التباسات بشأن الجدل القانوني حول شقي الفقرة 11 من القرار 194، المتعلقة بالعودة والتعويض نؤكد أن العودة هي حق مطلق من حقوق اللاجئين الفردية والجماعية، وأنها الاساس في تفسير القرار المذكور. أما التعويض عن الخسائر المادية والمعاناة النفسية والاجتماعية، فهو حق قانوني آخر لكل لاجئ، عاد إلى وطنه أم لم يعد.

إن الحديث عن التعويض باعتباره صنواً للعودة أو بديلاً عنها يشكل تشويها مفتعلاً لمضمون القرار 194. ويستهدف تمرير المشاريع المشبوهة الرامية إلى إغلاق ملف اللاجئين، وطي صفحة العودة إلى الأبد.

إن الحديث عن تعويضات مادية للذين لا يرغبون في العودة في الوقت الراهن يشكل ابتزازا سياسيا، تستغل فيه معاناة اللاجئين ابشع استغلال، ولا سيما اللاجئين في لبنان المحرومين من حقوقهم المدنية الاجتماعية والسياسية.

إننا في الوقت الذي نؤكد فيه الخيارات الحرة للاجئين من دون أية ضغوط أو قيود، فإننا نرى أن أية خيارات أخرى غير خيار العودة، ينبغي عدم إثارة الزوابع حولها قبل توفير جميع الشروط لتطبيق حق العودة، كما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية، وبشكل خاص قرار الجمعية العمومية الرقم 194.

           

ثانيا:      يستند خطاب العودة إلى مقوم آخر هو وحدة قضية اللاجئين أينما كانوا، في المنافي أو داخل حدود فلسطين الانتدابية بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة، أولئك اللاجئين الذين يشكلون حوالي 70% من مجموع الشعب الفلسطيني.  وفي هذا السياق، فإن الادعاء بأن معضلة لاجئي الضفة الغربية وقطاع غزة ستحل بمجرد إعلان الدولة الفلسطينية العتيدة، يتنافى مع حقهم الطبيعي في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم في فلسطين، كما نص عليه القرار 194، الذي جرى تأكيده مراراً في قرارات لاحقة للجمعية العمومية للامم المتحدة، ولا سيما في دورتها العامة رقم 118 في 16 كانون الاول (ديسمبر) 1985، إذ نص بوضوح أن الامم المتحدة ترى "أن التدابير الرامية إلى إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعيداً عن ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها، تشكل انتهاكاً لحقهم غير القابل للتصرف في العودة."

إنه لمن الأهمية بمكان و نحن نتحدث عن وحدة قضية اللاجئين، باعتبارها شكلا من أشكال تجسيد مبدأ  وحدة الأرض والشعب ، الإشارة إلى أن قضية العودة هي حقٌ مقدس لكل لاجىء  أينما كان، وأيا تكن أوضاعه القانونية لجهة الهوية و الجنسية التي يحملها ، حيث إن ما  آل إليه وضع اللاجئين من التشتت في بقاع الأرض، كان حصيلة للنكبة التي ألمت بشعبنا عام 1948، وما تبعها من تداعيات مأساوية أصابت كل بيت فلسطيني أينما كان . إن هذه الأوضاع لم تكن أبداً خياراً أراده اللاجئون من شعبنا، وإنما أمراً فرض قسرا عليهم بالعنف و الإكراه على امتداد سنوات اللجوء منذ النكبة و حتى اليوم .

 

ثالثا:      إن حق الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها هو حق مقدس، لكل شعوب الأرض وأممها، تكفله الأنظمة والقوانين والشرائع الدولية، وبهذا المعنى فإن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره هو من الحقوق المقدسة غير القابلة للتصرف ، بيد أن الحق سيبقى منقوصاً  وغير كامل ما لم يتح لشعب فلسطين ممارسة هذا الحق على أرضه. وبالاستناد  إلى هذا المبدأ الثابت فإن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وأرض وطنهم شرط لا بد منه من أجل تمكينهم من ممارسة هذا الحق شأنهم في ذلك شأن الشعوب و الأمم الحرة الأخرى.

 

رابعا:    إن خطاب العودة بقدر ما يكتسب بُعداً سياسياً و قانونياً  بامتياز ، فإنه في الوقت ذاته يحمل أبعاداً ثقافية وتربوية بالغة الأهمية، لجهة الإبقاء على هاجس الوطن والعودة إليه والإيمان بإمكان تحقيق العودة أياً تكن الظروف و المعيقات. وفي هذا السياق، فإن ثقافة العودة ينبغي أن تعود لتحتل مكانها المرموق في كل مخيم وزقاق وبيت، في الشارع والمدرسة والجامعة والمعمل، وفي لعب الأطفال وأهازيجهم. فثقافة العودة لها بعد إستراتيجي يشكل نقيضاً لحالة الاستسلام  والإحباط، تتخطى كل ما يمكن أن يبرم من معاهدات واتفاقيات تنتقص من حقوق شعبنا، في ظل طغيان الزمن الأمريكي الإسرائيلي الراهن. إنه عنوان لإستمرار الصراع و ديمومته .إنه أحد أهم عناوين الإشتباك التاريخي المفتوح مع الصهيونية و مشروعها العنصري المتمثل بإسرائيل.

 

خامسا: إن خطاب العودة يتوجه إلى زج المجتمع المدني الفلسطيني بكل هيئاته و مؤسساته السياسية والاجتماعية وغيرها في النضال من أجل إعادة الاعتبار لحق العودة. وبهذا المعنى، فإن هذا الخطاب هو خطاب توحيدي يسمو فوق كل التناقضات والتعارضات السياسية وغيرها في مجتمع اللاجئين . إن ما ندعو إليه في خطابنا يحمل في أحشائه بُعداً وطنياً وأخلاقيا،ًلا يمكنه التعايش بأي شكل من الأشكال مع  أي مظهر من مظاهر الفساد والإفساد الذي يتعرض له مجتمع اللاجئين ومؤسساته من غير منبع ومصدر. وبصور وأشكال متعددة تهدد بتدمير بنى وهياكل هذا المجتمع وتحول دون اطلاق مبادراته الخلاقة على الصعد الانسانية والاجتماعية، وتشكل كابحا لديناميات تعاطيه إيجابيا مع خطاب العودة.

 

سادسا: على المستوى العربي، إن خطاب العودة يستهدف إعادة إحياء مختلف أشكال  التضامن مع الشعب والقضية الفلسطينية من خلال احتضان خطاب العودة و دعمه  بآليات سياسية و اجتماعية  مناسبة. ذلك أن هذا الخطاب يشكل أحد مداميك  استمرار نضال الأمة العربية ضد الصهيونية العنصرية.

سابعا:  أما على الصعيد الدولي فإن إعادة تنشيط الهيئات و المؤسسات الداعمة للشعب الفلسطيني و لحقه في العودة إلى وطنه، تشكل أحد المرتكزات الأساسية لخطاب العودة ذات البعد الأخلاقي والإنساني الشامل.  بعد أن انكفأ دور غالبية الهيئات والمؤسسات، ليقتصر على اختزال دعمها للشعب الفلسطيني في دعم منظمة التحرير  الفلسطينية و  تشجيعها على المضي قدماً في مسار مفاوضاتها مع  إسرائيل، رغم كل ما يحمله مسار التفاوض هذا من مخاطر فعلية، تهدد بالقفز فوق  حقوق الشعب الفلسطيني، ولا سيما حق العودة إلى وطنه. إن انكفاء هذه الهيئات على هذا النحو قد شل فعاليتها إلى حد كبير ووضعها في موقع انتظاري، يحول دون لعبها دوراً جدياً في  إعادة بعث الوعي  الدولي بشأن الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني وفي القلب منها حقه في العودة إلى وطنه فلسطين.

 

 

______________________________

* وردت هذه الورقة ونوقشت في اللقاء التنسيقي الأول بين المؤسسات الأهلية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين والذي انعقد في قبرص ما بين 6-10 تشرين اول (أكتوبر) من عام 2000، وتم تبنيها على يد  الائتلاف الفلسطيني لحق العودة.


rorcoalition.org
© 2006 حقوق الطبع محفوظة للائتلاف الفلسطيني لحق العودة.