الصفحة الرئيسية
 حول الائتلاف
 أعضاء الائتلاف
 اللقاءات التنسيقية السنوية
 نشاطات الائتلاف
 إصدارات الائتلاف
 تقارير صحفية
 روابـط
 إتصل بنــا
   




 

 

.

 

ملف خاص: أدبيات اللجــوء والعــودة
 

هكــذا خـربطــت الحــرب قامــوس جدتـــي !

 

بقلم: سلمــان ناطـــور

 

صيف 1982.. كان حزيران حارا كعادته.

رائحة الصيف لم تتبدل في قريتنا، حتى عندما حلقت الطائرات في سمائها ونفثت الدخان الأبيض الذي لم ينتصر على دخان الحقول والحواكير التي حرق هشيرها اليابس.

قائد عسكري فرض علي الاقامة الاجبارية، فحوّل بيتي الى سجن صغير من مغيب الشمس الى شروقها ، وجعل من قريتي سجنا كبيرا من شروق الشمس الى غروبها، ليس لأنه كان يعد قواته المدرعة والمصفحة والمسلحة للحرب التالية، بل لأنه انتهى لتوه من حرب صغيرة على أربع قرى عزلاء معزولة في الجولان ويبدو أنني خربطت شيئا من حساباته وما كانت العتمة على طول يد الحرامي فسجنني وراح يخطط للحرب القادمة.

رهيب أن تحشر نفسك في حسابات الجنرالات، ثم تقول: قليلا من التواضع يا رفيق! فلا أنت فدائي راح يدك القلاع ولا أنت قائد فيلق مجهز بعتاد.

كان يتهيأ لي انه لم يبق للشرطة ما تفعله سوى مراقبة تحركاتي ليتأكد القائد العسكري أنني ما زلت موجودا ولا أشكل خطرا على أمن الدولة، فتأتي الدورية في ساعات مختلفة من الليل والنهار ويطرق شرطي على الباب ويطلب أن يراني بحجمي الطبيعي، ولما يتأكد أن أنا هو أنا ولا أحد سواي، يعتذر بأدب وينصرف ولم يقبل دعوتي له لتناول القهوة حتى ولو مرة واحدة. وصرت أحب مداعبة الشرطة، فحين يأتي الليل وأصبح محكوما بالبقاء داخل جدران البيت، أطلب من أحد أصدقائي أن يأخذ مفاتيح سيارتي، وكانت معروفة بلونها الأحمر وموديلها العتيق وطقطقة دواليبها، ويقوم الصديق بجولة في البلد، وقبل أن يعود، كانت سيارة الشرطة تمثل في ساحة البيت وينزل شرطي ليتأكد أنني ما زلت قابعا في منزلي / سجني ، فيعتذر مستهجنا أو يضحك على نفسه كما كنا نضحك عليه.

الطائرات التي حلقت في سماء قريتنا كانت محملة بالنار والنابالم لتفرغ حمولتها  على أرض لبنان الأخضر، بدأت في الرابع من حزيران ولم تتوقف.

 للأمانة والتاريخ سأسجل بما لا يقبل الشك أن حزيران 1982 ليس كحزيران 1967.

ففي صباح الخامس من حزيران 67 استيقظت على صوت عمي ، جاء الى بيتنا " يدب الصوت " ، ولم يكن أحد غيري في البيت . قال: "ولعت الحرب" !

كان الجميع يترقبون بقلق بالغ نشوب هذه الحرب، ويبدو أن الصواريخ التي نصبت في صحراء سيناء والهيزعة العربية احتفالا بعرس تصفية " الكيان الصهيوني" والوجبات الآدمية الدسمة التي وعدوا بها سمك البحر، يبدو أنها لم تترك لعمي الطيب سوى هوس البحث عن ملجأ آمن يحمينا من قذف الطائرات العربية المغيرة، باذن الله، وقد كان يتهيأ له أننا سنكون مستهدفين لأننا جزء من هذا الكيان الصهيوني المهدد بالاشتعال أو الرمي في البحر.

قال لي : تعال معي !

كنت في الثامنة عشرة من عمري أستعد لتقديم امتحانات الثانوية، فتركت كل شيء وذهبت معه دون أن أسأل الى أين يأخذني، واذا به يقودني الى مغارة كبيرة امتلأت بالحجارة والتراب وقال :

" سوف ننظف المغارة ليحتمي بها أطفال العائلة، أما الكبار فبامكانهم أن يختبئوا في الوعر"

وانهمكنا بتنظيف المغارة حتى ساعات الظهر، دون أن نشرب الماء أو نتناول لقمة أكل، وكلما سمعنا هدير طائرة في السماء اشتدت سواعدنا وخفقت قلوبنا، وأكثر ما كان يقلق عمي هو أن تقصفنا الطائرات السورية، وكان يتمنى لو أن مهمة قصف الكرمل توكل الى الطيارين العراقيين لأن السوريين " يصيبون الهدف " وأما العراقيون " فيصوبون على  تل أبيب ويصيبون حيفا"، ولم أعرف في ذلك الوقت ان كان علي أن آخذ كلامه على محمل الجد أو أن أعتبره مزحة ثقيلة من شدة الخوف، لكن لم يخلصنا من هذه الحالة العبثية سوى والدي، الذي كان يبحث عنا، ولما رآنا انفجر ضاحكا وقال:

"طيران اسرائيل احتل كل سماء العرب، لم يبق لمصر طائرة تحلق في الفضاء".

في تلك اللحظة انتهت الحرب بالنسبة لعمي، فألقى بالمنكوش والمعول وتناول حجرا صغيرا ورماه بشدة الى المغارة فأصاب تنكة كنا ننقل بها التراب وأحدثت دويا ظل صداه يتردد في جوف المغارة وتناولت حجرا وفعلت مثله وظلت التنكة سنوات طويلة في مكانها ومن حولها تراكمت الحجارة الى أن سد الجرف مدخل المغارة.

أسوأ ما فعلته هذه الحرب هي أنها خربطت قاموس جدتي، فعندما كانت تقول "احتلال اليهود " كنا نفهم أنها تقصد العام 1948 ولكننا صرنا فيما بعد نصعب عليها حياتها فنسألها : " أي أحتلال؟ " وكانت تصر على أن اليهود احتلوا كل بلاد العرب مرة واحدة، عام 1948 ، ولم تكن تفسر، ولما أرادت أن تذكر حرب حزيران، كانت تقول : " في حرب يوم تنظيف المغارة".

__________________________

الكاتب سلمان ناطور هو مدير عام معهد اميل توما للدراسات الاسرائيلية والفلسطينية في حيفا. وهو محرر مجلة "قضايا اسرائيلية" التي تصدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية-مدار (رام الله). ناطور من مواليد دالية الكرمل (قضاء حيفا) في العام 1949،  وله أكثر من ثلاثين عمل قصصي ومسرحي وروائي ونقدي


rorcoalition.org
© 2006 حقوق الطبع محفوظة للائتلاف الفلسطيني لحق العودة.