الصفحة الرئيسية
 حول الائتلاف
 أعضاء الائتلاف
 اللقاءات التنسيقية السنوية
 نشاطات الائتلاف
 إصدارات الائتلاف
 تقارير صحفية
 روابـط
 إتصل بنــا
   




 

 

.

 

ملف خاص: أدبيات اللجــوء والعــودة
 

أنـــا ونـكـبـتـي

بقلم: محمد بكري

 

ولدت وترعرعت في البعنة في الجليل، التي  أنقذتها الصدفة ولم تهدم كما هدمت مئات القرى في الجليل والمثلث والنقب. ولدت عام 1953، وعشت طفلا على حكايا جروح نكبتي التي  كانت ما زالت تنزف دما ودموعا، وسمعت الحكايا "موشوشة" ومشوشة, في تلك الايام التي كان الحكم العسكري ما يزال "على الحصان". واثارت فضولي قصة كان أبي يرويها باستمرار، وسمعتها مرارا من غيره ايضا: كان يوما حارا من ايام الصيف يقول ابي، "وكنت في الخامسة عشرة من عمري، كنا نعصر الزيتون في "بابور الزيت  لدار الخازن"معصرة الزيتون. طلب مني احد الرجال ان أملأ  الابريق زيتا واذهب الى الدكان القريبة لدار "العابد" واستبدل الزيت باوقيتين "حلاوة"، وفي هذه الاثناء، سمعنا طلقات نارية تلاها مكبرات صوت تأمر أهالي البعنة ودير الاسد بالتجمع عند في ساحة "المئيل" وهي الحدود بين البلدتين. وهرع الجميع الى هناك، وكانت هناك مصفحتان وبعض الجنود اليهود. وقف الظابط المسؤول، وأمر النساء والأطفال والشيوخ بالجلوس وهكذا تم فصلهم عن الشباب، ثم أمر الشباب من سن الخمسة عشرة وما فوق بالاصطفاف صفا واحدا وكان له ما أراد. وبعد لحظات، اختار ذلك الظابط اربعة من الشباب وامرهم  بعد ان سلمهم "أغلان" فارغة بأن يذهبوا لجلب الماء من العين التي لا تبعد أكثر من مائة متر، تحرك الاربعة ناحية العين واذ بالنار تفتح عليهم من رشاشات اوتوماتيكية وسقطوا جميعا، اثنان سقطا جنوبي "العبارة" واثنان شماليها، يتوقف أبي معلقا ثم يتابع: "وانظر الى النصيب، كان الاربعة، اثنان من البعنة احدهم مسيحي والاخر مسلم، من عائلتي جريس وعابد واثنان من دير الاسد من عائلتي  ذباح واسدي!". وهنا دب الفزع والصراخ وبدأ الظابط بالصراخ "يللا سوريا يللا لبنان، هرب من هرب ومن تبقى من الشباب اخذوه الى المعتقل!"

 

هذه القصة هي إحدى القصص التي بقيت في ذهني منذ الطفولة، ولم أتعلم عنها في التاريخ الاسرائيلي المكتوب، كما لم أتعلم شيئا عن النكبة، أوعن أي شيء يمت بصلة الى ما جرى، سوى بطولات وتضحيات القادمين الذين جاؤوا الى بلاد خالية من المواطنين، لا شجر فيها  ولا حياة، فجففوا المستنقعات وبنوا وعمروا البلاد الخاربة. لم نتعلم عن اللاجئين ولا عن القتل المتعمد المدروس ولا عن المجازر في الطنطورة أو الدوايمة أو دير ياسين، ولا عن الاغتصاب. باختصار، لم يحدث سيئا من هذا في تاريخهم المكتوب في مناهج التعليم. فوجدتني مكرها أن اقضي شبابي مجتهدا في البحث عن هوية محيت وتاريخ  مزور. وبلغ  السيل الزبى، عندما شاهدت في عام 1998 مسلسلا تلفزيوني وثائقي عن دولة اسرائيل بمناسبة عيدها الخمسين، ولكثرة التزوير والتشويه للتاريخ من ناحية، ولعمق النوم العربي العام والفلسطيني الخاص  بكل ما يخص النكبة اعلاميا (استثني روايات الروائيين خصوصا غسان كنفاني واميل حبيبي بما يخص أدب المقاومة في الداخل وفي المنفى-المخيم). وجدت عندها أنه من واجبي الانساني أولا والوطني ثانيا ان أنتج فيلما عن النكبة. وكان أول ما ورد في  ذهني تلك القصة التي رويتها، والتي سمعت قصصا كثيرة مثلها في الكثير من القرى والمدن، التي إن دلت على شيء فانما تدل على نية  بن غوريون وأعوانه  وتخطيطهم لاحتلال البلاد وطرد اهلها الاصليين.

 

وهكذا بدأت بحثي بالبحث عن  أبي وأترابه ممن عاشوا تلك الاحداث، لا سيما أنهم كانوا آنذاك شبابا وشابات واقتربوا من المنية ولم توثق رواياتهم في الشاشة بسبب الاهمال العربي العام والفلسطيني الخاص كما ذكرت من قبل. ولتعمدي ما أقول، خاصة وأن التوثيق المصور أهم اعلاميا أضعاف أضعاف لأنه يصل الى الملايين، ولان الصورة اليوم هي الاكثر استهلاكا وهذا يعود ايضا الى الكسل الانساني المتزايد مع مجريات العصر الحديث والكمبيوتر، وربما خطورة الصورة بتأثيرها اصبحت من بديهيات ليست بحاجة لشرح وتفسير، فلو كانت الكاميرا التلفزيونية متوفرة في الـ 48 لربما ما حدثت النكبة، ربما!!!

 

وهكذا بدأت مشواري في البحث مصورا ما أبحث عنه من شخصيات وأطلال لقرى قد دمرت وشرد اهلها ومنها. وقد حاولت بقدر المستطاع أن أعتمد في الفيلم على القصص الانسانية التي تروي ما حدث مع التطرق أيضا الى أسباب النكبة من وجهة نظر هؤلاء الشاهدين انفسهم، وليس الاعتماد على الارشيف او ما صور فيه لان الارشيف صور على يد المحتل من ناحية، وفي افضل الحالات على ايدي المتآمرين مع المحتل كالانجليز وغيرهم. وهناك قصتان رويتا لي من شخصيتين مختلفتين, أود ان أشير اليهما. الاولى من السيدة "أم نخلة" "هنرييت شقر" وهذه القصة لم تدخل فيلم الـ "1948" الوثائقي الذي أخرجته. تقول أم نخلة رحمها الله: "بعد أن خرجنا ومشينا من يافا باتجاه رام الله، تمزقت "السرماية" (أي الحذاء) فاستمريت حافية والدماء تسيل من قدمي، كنت حاملا على رأسي بقجة فيها بعض اللوازم، أحمل ابنتي وعمرها سنتين وأجر أخي ابن الرابعة. كان الطقس حارا وجافا ولم يكن معنا ماء، فبدأت ابنتي تتلوى. وبعد وقت، قالت لي احدى السيدات: بنتك بتنازع بدها تموت ارميها وامشي في حالك!!

 

كيف ارميها؟ حدا برمي ابنه؟ وتتابع أم نخلة:"وصلنا الى بئر الماء فهجمت الناس تريد أن تشرب ومن شدة العطش بدأ الناس يتزاحمون ويتدافعون، ومن بينهم أحد الفلاحين ومعه أولاده سبعة او ثمانية كالصيصان، وهذا المسكين اراد أن يسقيهم ولكن لم يجد حبلا او دلوا لينتشل الماء من البئر. ومن شدة خوفه على ابنائه قفز في البئر ولا أعرف كيف استطاع ان يخرج، ولكنه خرجا مبلل الملابس. وتتوقف أم نخلة للحظة، تبتسم والدموع في عينيها ثم تتابع: "لا انسى بحياتي تلك الصورة. كان يجب أن ترى الاطفال الصيصان كيف هجموا على أبيهم يمتصون أطرافه المبللة وشعر يديه ورأسه ولحيته وشواربه."

 

أما القصه الاخرى فهي قصة الشاعر طه محمد علي احد أهم الشهادات في الفيلم. ويقول علي: "وفي صفورية كان أكثر من نجار يجيد صناعة القادم. القادم هو شكل خشبي يشبه السلم كان يستعمله الفلاحون في موسم الحصاد ليحملوا عليه فوق الدواب ما يحصدوه. وأبو مصطفى كان من النجارين الذين أجادوا صناعة هذا القادم. وفي سنة 1948 آخر سنة، وقف أبو مصطفى ونظر الى القوادم التي صنعها وقال باعتزاز بصوت عال على مسمع الحاضرين: يسلموا ايديك يا ابو مصطفى على هالصنعه!

 

امام البلد كان جالسا فقرأ على الجميع: "صرحت مصادر موثوقة عن قدوم الفين قادم الى ميناء حيفا هذا الاسبوع". ضرب أبو مصطفى رأسه بيديه صائحا: الفين قادم؟ باطل باطل الفين قادم راح يدملوا صفوريه وكفرمندا وطرعان، خرب بيتك يا ابو مصطفى". ويستمر  طه محمد علي معلقا: "الحركه الصهيونية التي كان يدعمها من في السماء ومن على الأرض، دعمتها قوى غربية وشرقية، دعمتها أمريكا، وأوروبا، دعمها الاتحاد السوفييتي، ودعمتها بقصد أو بغير قصد دول عربية واسلامية. كل هذه القوى كان يقابلها أبو مصطفى الذي يختلط عليه أمر القادم الجديد بالقادم الخشبي الذي يصنعه في صفورية. رحم الله ابو مصطفى، دخل معركة وهميه لم يهزم بها!. الذي يهزم هو الذي يحارب، دخل معركة وهمية لا علاقة لها لا بحرب ولا بنضال ولا بشيء... توفي في عين الحلوه وهو يحلم بالقوادم التي كان يصنعها في صفورية ليحملوا عليها قشهم وحصادهم".

 -----------------

الفنان محمد بكري هو ممثل ومخرج من مواليد قرية البعنة في الجليل في العام 1953. له العديد من الأعمال المسرحية ومنها "عرس الدم"، "روميو وجولييت"، "موسم الهجرة الى الشمال"، "الياطر"، "المتشائل"، "المهاجر"، بيت السيدة"، و"زغرودة الارض". كما شارك في عدد من الأعمال السينمائية، منها: "من وراء القضبان"، "الملجأ"، درب التبانات"، "نهائي كأس العالم"، "تحت أقدام النساء" "حنه. ك". أخرج بكري فيلمين، هما "1948" و "جنين.. جنين".


rorcoalition.org
© 2006 حقوق الطبع محفوظة للائتلاف الفلسطيني لحق العودة.