|
فــي
إنتـظــار القيـــامــة
بقلــم: سليمــان شفيــق
أحبائي من منكم يبقى لكي أحيا سنة.. سنة
أخرى.. منذ أن وافقت على كتابة مقال عن ذكرى النكبة الأولى
العربية، نكبة فلسطين، وأنا لم أكف لا عن التأمل.. ولا عن
الكتابة في مخيلتي. عشرات الأفكار، مئات السطور، خرجت من
العقل.. الى المخيلة... إرتدت بعد أن رفضها القلب، أفكار
سياسية عربية... عن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة..
أيها الصامدون هناك... ثورة حتى النصر.. وغيرها من تلك
الأفكار والشعارات التي انتهى عمرها الإفتراضي، أفكار
طوباوية عن السلام مثل سلام الشجعان، سلام يطل من فوهة
البندقية، وغيرها من الأفكار التي انتهى عمرها الإفتراضي
أيضا. لقد تعبت..
نعم.. أريد أن اكتب عن الحاضر الآتي، لا
أريد ان أكتب أفكارا مهما كانت صحتها فقد استهلكها جيلي
والأجيال السابقة، أريد أن أكتب لجيل ما بعد صبرا، جيل ولد
مع أوسلو، ذلك الجيل الذي يحمل في يده اليمنى بندقية، وفي
يده اليسرى أغصان الزيتون، يخرج في الصباح الباكر الى حاجز
ايريز ليعمل في اسرائيل، أو الى المدرسة الثانوية او
الجامعة، يقابل إسرائيليين يقطعون أوصال جسد وطنه وآخرون
يساعدون في العمل، او في المظاهرة طلبا للحق الفلسطيني.
لهذا الجيل.. جيل نديم.. ورولا.. وزياد.. وزهوة.. أكتب.
أكتب دون وصاية... وأطالبكم أن ترفضوا كل
الوصايا.. وتلك هي الوصية الاولى. ثم لا تتخلوا عن الحب..
فهنالك حبان.. حب شامل.. وحب تفضيلي.. والحب الشامل
تواجهون به الظالم بكل السبل والطرق حتى يرجع عن ظلمه...
والحب التفضيلي ان تعطوا كل شيء لا للذين يحبونكم كأشخاص
بل للذين يحبونكم كأرض. ثم فرقوا بين الحرب والسلم. لأن
الحرب وسيلة اما السلم فهدف. في الحرب تستخدم الحيل
والتكتيك والمباغتة، أما في السلام فلا تستخدم الا الحق.
ثم لا تخافوا ممن يغتالون الجسد، بل خافوا ممن يغتالون
الروح.. فلا تخافوا من اليمين الناشىء الاسرائيلي... فهم
أكبر ضمانة لبقاء القضية ساخنة حية، وخافوا من الذئاب
الذين يرتدون ثياب الحملان في اليسار، فهم يسلبونكم روحكم
بطرق سلمية ودية، فكونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام. ثم
طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله. ولا تهتموا لجنسيتهم
ولا لونهم ولا ديانتهم او مقدار ما يقدمونه، بل إهتموا
بمواقفهم التي لا تحيد عن حقك في الأرض مهما أخطأتم في
إستخدام الوسائل للحصول على الحق، ولا تهملوا انتقاداتهم..
ولكن ركزوا على مواقفهم في أرضكم... ثم حافظوا على أجسادكم
وأرواحكم.. وحافظوا على أجسادكم حتى النفس الأخير، لان
أجسادكم هي أرضكم، وأرض بلا أجساد .. هي أرض غير صالحة
للزراعة ولا للحصاد. ولأن أرواحكم هي التي تقود أجسادكم،
والجسد والروح هما مركز القلب والعقل والإرادة... فإن
حافظتم على أجسادكم وارواحكم... صرتم ارضا مزروعة بالبشر..
فالحبة تعطي سنبلة والسنبلة تعطي مائة حبة. وإذا لم
تحافظوا على أجسادكم وأرواحكم ستصيرون ارضا بلا بشر...
أرضا بلا حصاد، وتلك هي جدلية الأرض والبشر، الروح والجسد،
القلب والعقل، العاطفة والإرادة، وهكذا فنحن الذين يموت
افضلنا لكي يبقى الأخرون على الأرض بلا دموع.
أحبائي من منكم يبقى لكي أحيا سنة.. سنة
اخرى فقط.. لكي أعشق عشرين مدينة من فلسطين، وأرقص مع
عشرين امرأة من فلسطين وأقبل أيادي عشرين رجلا من فلسطين.
أحبائي.. الشهداء.. ومشاريع الشهداء من الاحياء... أتوق
إليكم.. وأخاف أن أموت كالبعير على فراشي.. اريد ان أعبر
مع المسيح الفلسطيني الجلجله، أصلب مع مسيحنا.. أتألم
معكم، لكي أرى المجد المقبل من فوهات عيونكم. أناديكم...
أناديكم.. أشد على اياديكم... وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم... أتمنطق بالحطة الفلسطينية مع المسيح، أغسل
ارجلكم، أتناول العشاء الأخير معكم، أحمل صليبكم.
وها أنا للمرة السابعة والخمسين أنتظر
القيامة في المكان ذاته، وكلي رجاء ان الثلاثة ايام لم تأت
بعد... وكما قام المسيح... ستقوم فلسطين ديمقراطية علمانية
على كامل التراب... نعيش فيه جميعا يهودا وعربا مسلمين
ومسيحيين. أحبائي.. كل سنة ونحن ننتظر القيامة بالحلم..
محتضنين الرجاء... ولن تسقط البندقية ولن يسقط غصن
الزيتون... ويبقى الإيمان والرجاء والمحبة ولكن أعظمهن
المحبة... وكما أن المحبة لن تسقط ابدا ففلسطين لن تسقط
ابدا..
____________________
سليمان شفيق هو كاتب وصحفي وباحث مصري له العديد من
الكتابات الأدبية والبحثية، كما قدم العديد من الأوراق
والكتابات في الشان القبطي المصري ابرزها، "الأقباط بين
الحرمان الوطنى والكنسي" (القاهرة،
1996). |