الصفحة الرئيسية
 حول الائتلاف
 أعضاء الائتلاف
 اللقاءات التنسيقية السنوية
 نشاطات الائتلاف
 إصدارات الائتلاف
 تقارير صحفية
 روابـط
 إتصل بنــا
   




 

 

.

 

النكبة الفلسطينية في العام 1948


"التـرانسفيــر" في العـقيـــدة الصهيــونــية وولادة قضيــة اللاجئيــن الفلسطينييـــن

 

بقلــم: د. نــور مصــالحــة

 

يتحدث سفير الولايات المتحدة الأول في إسرائيل جيمس مكدونالد (1948-1951) في كتابه الذي حمل عنوان "مهمتي في إسرائيل" (لندن،1951، صفحة 160-161) عن حوار دار بينه وبين الرئيس الأول لدولة إسرائيل حاييم وايزمن، حيث تحدث وايزمن بشكل "انفعالي" مستخدما مصطلحات دينية تنبؤية حول "خروج" الفلسطينيين عام 1948 "تبسيطا اعجازيا لمهمة إسرائيل" وأضاف مكدونالد أنه لا أحد من "الثلاثة العظام" أي وايزمن ورئيس وزراء إسرائيل الأول دافيد بنغوريون ووزير الخارجية موشيه شاريت ولا أي قائد صهيوني  مسؤول قد توقع مثل هذا "الإخلاء الإعجازي للأرض".

 

وفي الحقيقة كان "خروج" عام 1948، أقل "إعجازا" من نتائج أكثر من نصف قرن من الجهود، خطط سريّة قد آلت الى قوة متوحشة. فمنذ بداية المشروع الصهيوني القاضي بإيجاد وطن قوميّ أو دولة في فلسطين واجه الصهاينة بشكل دائم ما اصطلحوا عليه "المشكلة العربية"، وهي حقيقة أن فلسطين كانت مأهولة أصلا. وكان أحد الحلول المقترحة لهذه المشكلة هو حل "الترانسفير" وهو عبارة لطيفة تشير الى الإزالة المنظمة لسكان فلسطين ونقلهم الى أراض عربية مجاورة. "ترانسفير" مصطلح كثيرا ما يستعمل من قبل "الييشوف" الصهيوني في فلسطين (أي المستوطنات الصهيونية في فلسطين ما قبل 1948)، وكذلك في إسرائيل للإشارة الى ما يعرف هذه الأيام بالتطهير العرقي. في مرحلة ما قبل عام 1948، تبنت أعلى المستويات القيادية مصطلح "ترانسفير" ومن ضمنهم كافة الآباء المؤسسين لدولة إسرائيل وممثلي كافة الأطياف السياسية.

 

لقد أيد كافة الآباء المؤسسين تقريبا الترانسفير بصيغة أو بأخرى ومن ضمنهم ثيودور هيرتسل وليون موتسكين ونحمان سيركن ومناحيم أوسيشكن وحاييم وايزمن ودافيد بن غوريون، يتسحاق تيبنكين، أبراهام غرالوفيسكي، إسرائيل زينغوين، يتسحاك بن تسفي، انحاس روتنبيرغ، آرون آرونسون، زئيف جابوتنسكي، وكذلك بيريل كاتس نيلسون. وقد وصف كاتس نيلسون الذي كان أحد أكثر القادة شعبية وتأثيرا وينتمي الى حزب ماباي (حزب العمل فيما بعد) وصف كثيرا بأنه "إسرائيلي ليبرالي" يمثل ضمير الصهيونية العماليّة. وفي إحدى المناظرات التي دارت في المؤتمر الدولي لوحدة عمال صهيون (إيحود بوعالي تسيون) وهو أعلى المنتديات شأنا في أوساط الحركة العمالية العالمية الصهيونية السائدة، والذي انعقد في آب 1937 قال كاتس نيلسون :"لقد أثارت مسألة طرد السكان جدلا بيننا: هل هو مسموح أم ممنوع؟ أما ضميري فهو مرتاح تماما من هذا  الجانب. فالجار البعيد خير من العدو القريب. فهم (الفلسطينيون) لن يخسروا جراء ذلك. وفي التحليل النهائي فهذا إصلاح سياسي واستيطاني  لخدمة مصلحة الطرفين وقد كنت دائما من أنصار الرأي القائل بأن هذا هو الحل الأمثل..  لقد آمنت دوما وما زلت أؤمن بأنه قدّر عليهم أن يطردوا الى سوريا او العراق". وبعد مرور عام على ذلك النقاش الذي دار في الأوساط القيادية للوكالة اليهودية في حزيران من عام  1938، أعلن كاتس نيلسون بأنه يؤيّد مبدأ "الطرد القسري والاستيلاء على أوسع منطقة ممكنة".

 

وشمل أنصار الانتقال الطوعي آرثر روبن أحد مؤسسي بريت شالوم وهي حركة تؤيد الدولة ثنائية القومية والحقوق المشتركة للعرب واليهود وكذلك قادة ماباي المعتدلين مثل موشيه شيرتوك (شاريت فيما بعد) وإيلي عيزر كابلان أول وزير مالية إسرائيلي وقادة نقابة الهستدروت مثل غولدا مئير ودافيد ريميز. ولكن لعل أكثر المتطرفين ثباتا والمؤيد المفرط للطرد القسري كان يوسف فايتس مدير قسم الاستيطان التابع للصندوق القومي اليهودي ورئيس لجنة الترانسفير الحكومية الرسمية عام 1948. كان فايتس في قلب نشاطات شراء الأراضي الصهيونية لعشرات السنين، فمعرفته وانخراطه المميز في عمليات شراء الأراضي جعله يعي وبشكل دقيق محدودية قدرتها. فحتى عام 1947 وبعد نصف قرن من المحاولات التي لم تعرف الكلل بلغ مجموع ممتلكات الصندوق القومي اليهودي والذي ضم حوالي نصف مجموع المستوطنات ("الييشوف") بلغ بالكاد 3.5% من مساحة أراضي فلسطين.

 

لقد تضمنت الصفحة الخاصة بيوم 20 كانون الأول لعام 1940، من يوميات فايتس ملخصا لمعتقداته السياسية: "فيما بيننا، يجب أن يكون واضحا أنه لا يوجد متسعا لكلا الشعبين في هذا البلد. ولن تتمكن أي تطورات من تقريبنا الى هدفنا في أن نكون شعبا مستقلا في دولة صغيرة. فبعد طرد العرب ستكون البلاد مفتوحة لنا على مصراعيها، وببقاء العرب في هذا البلد سيكون ضيقا ومحدودا .... ليس هنالك متسعا للوصول الى تسوية حول هذه النقطة ..... شراء الأراضي.... لن يقيم لنا دولة،.... فالطريقة الوحيدة طرد العرب من هنا الى الدول المجاورة، جميع العرب ما عدا ربما بيت لحم والناصرة والقدس القديمة. يجب أن لا تترك حتى قرية واحدة أو قبيلة واحدة. يجب أن يتم الطرد عن طريق استيعابهم في العراق وسوريا وحتى فيما وراء نهر الأردن. ولإنجاز هذا ا لهدف لا بد من البحث عن الأموال أعني الكثير من الأموال. وعند ذلك فقط ستتمكن البلاد من استيعاب ملايين اليهود .... ليس هنالك أي حل آخر".

 

في عام 1930 وعلى خلفية أحداث 1929 في فلسطين بدأ وايزمن الذي كان في حينه رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية بالترويج النشط لفكرة طرد العرب في حوارات خاصة "سريّة" مع وزراء ومسؤولين بريطانيين. وفي نفس السنة قام وايزمن وبنحاس روتنبرغ الذين كانا رئيسا مجلس الاستيطان اليهودي وعضوين تنفيذيين في الوكالة اليهودية وكذلك اللورد باسفيلد الوزير البريطاني بإعداد مشروع اقتراح رسمي وسري يهدف لطرد الفلاحين الفلسطينيين الى ما وراء نهر الأردن. واقترح هذا المشروع أن تجمع مصادر مالية يهودية قرضا قيمته مليون جنيه فلسطيني لتمويل عمليات إعادة التوطين. وقد رفض اللورد باسفيلد هذا المشروع المقترح. ومع ذلك فقد استخدم تبرير وايزمن في دفاعه عن الاقتراح كحجر زاوية للدفاع الصهيوني لاحقا عن فكرة الترانسفير. أكد وايزمن أنه لا وجود لأي منحى "غير أخلاقي" حول مفهوم الترانسفير، وأن "الترانسفير" للسكان اليونانيين والأتراك في بداية العشرينات من القرن الماضي قد شكلت سابقة لإجراءات مماثلة بحق الفلسطينيين، وأن اجتثاث الفلسطينيين ونقلهم الى ما وراء نهر الأردن أو العراق أو سوريا أو أي بقعة أخرى من العالم العربي الواسع لا تكاد تشكل عملية نقل من منطقة عربية الى أخرى. ومع ذلك فبالنسبة لوايزمن وقادة آخرين من الوكالة اليهودية فقد كان الترانسفير إجراءا منظما ويتطلب التحضيرات والأموال وقدرا هائلا من التنظيم الذي كان لا بد من انجازه على أيدي مفكرين استراتيجيين وخبراء فنيين.

 

وبينما بقيت الرغبة في حل "المشكلة السكانية العربية" قائمة في أوساط القيادات الصهيونية حتى "خلو الأرض الإعجازي" في عام 1948، تغير مدى الانشغال الذهني والتصورات الخاصة بالترانسفير عبر السنوات وذلك حسب تغير الظروف. ومع ذلك تداعت الأمنيات والأفكار الصهيونية السطحية التي رافقت السنوات الأولى للصهيونية المتمثلة في امكانية "دفع الفلسطينيين عبر الحدود حسب كلمات ثيودور هيرتسل. أو انهم ببساطة "سيهدمون خيامهم ويرحلون". تداعت لصالح تقديرات أكثر واقعية. ومنذ منتصف الثلاثينات أصبح حل الترانسفير مركزيا بالنسبة لتقديرات الوكالة اليهودية (وبشكل خاص حكومة "الييشوف"). اضافة الى ذلك فقد تطلبت تلك التقديرات تخطيطا استراتيجيا لسلسة الإجراءات المتعلقة بالخطط المحددة التي تضمنت بشكلها العام ما وراء نهر الأردن وسوريا والعراق. وقد تولى وضع هذه الخطط ثلاث لجان للترانسفير، أقام اللجنتين الأولى والثانية قيادة "الييشوف" والتي نشطت بين 1937 1944. أما اللجنة الثالثة قد عينتها رسميا الحكومة الاسرائيلية في آب سنة 1948. منذ أواخر الثلاثينات تضمنت مشاريع اقتراحات الترانسفير تشريعات تتعلق بملكية الأراضي وقيود على حقوق المواطنة ومجموعة من الضرائب المختلفة التي صممت بهدف تشجيع الفلسطينيين على "الترانسفير الطوعي".

 

في الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن التاسع عشر بقيت مشاريع الاقتراحات الصهيونية المتعلقة بالترانسفير محدودة في إطار محادثات سرية وخاصة مع كبار المسؤولين البريطانييين (وأحيانا الأمريكيين). امتنعت القيادات الصهيونية من نشر هذه المقترحات شديدة الحساسية على العلن. وفي إحدى المناسبات اقترح حاييم وايزمن في اجتماع سري له مع السفير السوفييتي في لندن إيفان ميسكي في شباط 1941، نقل مليون فلسطيني الى العراق وذلك لتوطين يهود بولنديين مكانهم. الأمر الأكثر أهمية أن الصهاينة أثناء مرحلة الانتداب البريطاني ولأسباب المنفعة السياسية اعتقدوا أن هذه الاقتراحات لا يمكن أن تطبّق بدون مساندة البريطانيين أو حتى  تطبيقهم لها بشكل مباشر. بذلت القيادة الصهيونية محاولات حثيثة لتقديم اقتراحات للجنة بيل الملكية سنة 1937. وبشكل عام لم ينتبه المؤرخون الى أن اقتراحا مهما للترانسفير قد قدم للجنة وهو الاقتراح الذي قدر له أن يشكل استنتاجاتها. لقد قدم هذا  الاقتراح من قبل الوكالة اليهودية في سنة 1937، في مذكرة سريّة تضمنت إحدى الفقرات الخاصة بطرد العرب الى ما وراء نهر الأردن. كانت التوصية الأساسية للجنة هي تقسيم فلسطين الى دولتين مستقلتين إحداهما عربية والأخرى يهودية وقد أضاف تقرير لجنة بيل توصيات محددة بما دعي بهدف التضليل "تبادل سكاني" – مبادلة 225 الف عربي يسكنون في منطقة اقتطعت للدولة اليهودية في مقابل 1250 يهودي يعيشون في منطقة قدر أنها ستلحق بالدولة العربية.

 

لم يكن مفاجئا أن رفضت كافة الآراء السياسية الفلسطينية اقتراحات لجنة بيل بشدة. وقد أثارت هذه التوصيات انفجارا للمقاومة المسلحة في أوساط الفلاحين الفلسطينيين. تصاعدت وتائر الثورة الفلسطينية والتي كانت تشهد حالة من الهدوء. وفي المقابل قدمت لجنة بيل للصهاينة مشروعية لمفهومين أساسيين : الأول – صادقت على التفسير الصهيوني لوعد بلفور القاضي بأن "الوطن القومي اليهودي" يعني الدولة اليهودية. والأمر الثاني - هو إباحة حلم طالما طارده الصهاينة بترحيل العرب من تلك الدولة. وصادق "الثلاثة العظام"، وايزمن و شيرتوك وبن غوريون بحماس على مشروع اقتراح الترانسفير الخاص بلجنة بيل. الأمر الهام الذي أضافه بن غوريون تحديدا هو ليس الترحيل فقط بل أضاف الإكراه على الترحيل الأمر الذي نشاهده في مذكراته الخاصة بيوم 12 تموز 1937: "طرد العرب الإجباري من الأودية التي اقترحت لاقامة الدولة اليهودية قد يعطينا شيئا لم نمتلكه من قبل حتى عندما كنا واقفين على أرجلنا في أيام الهيكلين الأول والثاني (جليل خال من السكان العرب)."

 

لقد كان مقتنعا ان حفنة من الفلسطينيين إن وجدوا سيتطوعون بترحيل انفسهم الى شرقي نهر الأردن. وكان واثقا من انه اذا صمم الصهاينة على مواصلة مساعيهم للضغط على سلطات الانتداب البريطاني لتنفيذ "الطرد القسري" لكانت الخطة ستطبق: "لا بد لنا من الالتزام بهذا الاستنتاج بنفس الطريقة التي تعلقنا بها بوعد بلفور، بل أكثر من ذلك وبنفس الطريقة التي تمسكنا بها بالصهيونية نفسها. يجب علينا أن نؤكد على هذا الاستنتاج (والدفع به الى الأمام) وبتصميمنا الكامل بالقوة وبالإيمان...  يجب أن نقتلع من قلوبنا فرضية أن هذا غير ممكن. يمكننا تحقيق ذلك". وقد ذهب بن غوريون الى أبعد من ذلك فكتب: "يجب  علينا أن نستعد لتنفيذ" الطرد (التأكيد في النص الأصلي).

 

ومنذ عام 1937 دارت نقاشات تتعلق بترحيل العرب في أعلى هيئات الحركة الصهيونية: اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية والمؤتمر الصهيوني العشرين والمؤتمر العالمي لإيحود بوعالي تسيون بالإضافة الى حوارات مكثفة عقدت في لجان ترانسفير رسمية وغير رسمية وقد قام العديد من الشخصيات القيادية بتبرير إزالة العرب سياسيا وأخلاقيا وعرقيا باعتباره استكمالا منطقيا وطبيعيا للاستعمار الصهيوني في فلسطين.

 

لقد كان هنالك مصادقة عامة على التبرير الأخلاقي لمفهوم الترانسفير بينما تركزت الخلافات في مسألة الطرد  القسري وإذا ما كانت تلك الخطة قابلة للتطبيق (في أواخر الثلاثينات أوائل الأربعينات من القرن التاسع  عشر) دون تأييد البريطانيين. النقاد القلائل لمشروع الترانسفير في فترة الييشوف بشكل ملحوظ كانوا من قادة حركة هاشومير هتساعير (الحارس الشاب) ومجموعة أيحود (الإتحاد) وعلى رأسهم موشيه سميلانسكي حيث أيد الطرفان دولة عربية يهودية ثنائية القومية. وأسقطا مفهوم الترانسفير باعتباره "معاد للاشتراكية" و"خطر". ومع أن التأييد الذي لاقته هذه المشاريع بشكل عام ومحاولات ترويجها بشكل سري عن طريق قيادات الاتجاه العمالي السائد: بن غوريون ووايزمن وشيرتوك وكاتس نيلسون الذي توفي عام 1944، وفايتس وكذلك غولدا مئير (حيث لعب بعض هؤلاء دورا حاسما في حرب عام 1948) يؤكد ذلك على النوايا المؤدلجة التي جعلت من "خروج" الفلسطينيين في عام 1948 أمرا ممكنا.

 

وبنهاية حرب 1948 نجح الصهاينة في تحقيق الكثير من أهدافهم وعلى كل الأحوال فقد أقاموا دولة يهودية موسعة بشكل هائل (على 77% من فلسطين التاريخية) حيث قلل عدد الفلسطينيين بالقوة الى أقلية يسهل السيطرة عليها. ومنذ عام 1948 والأكاديميون الاسرائيليون ينكرون بشدة مفهوم "الترانسفير" أي الطرد وعلاقته بـ "خروج" 1948، ربما باستثناء حفنة من المؤرخين الإصلاحيين/الجدد (مثل بيني موريس وإيلان بابيه وشيما فلابان وأفي شلايم) والذين برزت أعمالهم عبر العقود الماضية. أما إخلاء ما يقارب الثلاثة أرباع مليون فلسطيني فما زال يرجع ليس الى  السياسة الصهيونية ولكن الى أوامر "خيالية وهمية" أصدرتها الجيوش العربية.

 

لم تكن القضية الأساسية أثناء الجدل الطويل حول مسألة الترانسفير في أوساط الوكالة اليهودية وهيئات قيادية عليا أخرى هي القضية الأخلاقية بل كانت قابليته للتحقيق. وكان الفرق بين "الليبراليين والمتزمتين" هو الخلاف على الترحيل الطوعي أم الطرد القسري والذي يبدو ان الطرفين قد تناسوه ودفعوا به الى الخلف حيث تبوأت الصدارة التحضيرات المهووسة التي أعدها فايتس ولجنة الترانسفير والوكالة اليهودية بهدف انجاز "الإخلاء الإعجازي للأرض"  الذي حدث عام 1948 -1949.

 

وتظهر الكثير من الأدلة أن سياسات الترانسفير غير الرسمي السائدة قد تم تبنيها سنة 1948، وأنها قد نفذت عمليا حتى وإن لم تكن منتظمة دائما أو غير رسمية على مر تلك الفترة. لا بد للمؤرخين من ملاحظة مدى تعقيد عملية الطرد متعددة المراحل والأسباب، التي ميزت خروج 1948 الذي حدث على خلفية الحروب والحملات العسكرية. ولكن يجب أن لا تشكك هذه الحقيقة بمسؤولية الصهاينة الأساسية عن تهجير وطرد الفلسطينيين وبشكل محدد دافيد بن غوريون حيث يتجلى ذلك في عدة كتب نشرت في السنوات الأخيرة واعتبرته الطارد الأعظم للفلسطينيين اثناء 1948. فمن المناطق  التي احتلتها اسرائيل 1948 -1949 طرد حوالي 90 % من السكان الفلسطينيين الكثيرين منهم عن طريق الحرب النفسية و/أو الضغط العسكري. بالإضافة الى عدد كبير من الفلسطينيين الذين طردوا تحت التهديد المباشر بالسلاح: وتعتبر حالتي اللد والرملة الموثقتين بشكل واسع من الأمثلة الساطعة على عمليات "الطرد المباشر". ففي تموز 1948 حدثت هاتين العمليتين اللتين تضمنتا ما يقارب ال 10% من مجموع من خرجوا، وكذلك عملية الطرد المباشر من بلدة الفالوجة وكذلك من تبقى من سكان بلدتي بيسان والمجدل سنة 1951 وكذلك الطرد المباشر من قرى بيت صفافا وسعسع والمنصورة وطربيخة والنبي روبين وكفر برعم، وإقرث والفراضية، كفر عنان ، القويدرية، وعرب الشمالينا والزنغرية وعرب صياد والبصة والغابسية والطنطورة وقيسارية وخربة الشركس والضمايرة، عرب الفقرا، وعرب النفيعات ومسكا وطبصار (خربة عزون) زرنوقة ، القبيبة، يبنا، زكريا، نجد، سمسم، عراق المنشية، والدوايمة، ودير ياسين وغيرها. وقد كانت دير ياسين أيضا مسرحا لأبشع المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين سنة 1948. مجزرة أصبحت احدى أهم العوامل المساعدة  على "خروج" 1948. وقد سجلت الدراسات التي صدرت في السنوات الماضية حوالي 28 مجزرة (بين كبيرة وصغيرة) نفذت على أيدي القوات اليهودية سنة 1948 1949. كانت تلك الفترة التي حض فيها  فايتس (رئيس لجنة الترانسفير التابعة للحكومة الاسرائيلية سنة 1948 وزميله بن غوريون) مواطنيهما على عدم تفويت أي فرصة.

 

إن عدم توفر سجلات تحتوي على أوامر خطية تدعو الى الطرد  الجماعي للسكان العرب بشكل لا يقبل الشك قد  ذكرت في مؤلفات المؤرخ الاسرائيلي بيني موريس كمؤشر على غياب التخطيط المسبق. وكان موريس قد استنتج أن الهجرة كانت وليدة ضرورات ناشئة عن حالة الحرب. وللإجابة على السيد موريس فإن وثيقة "داليت" (دال) وهي خطة الهاجانا في أوائل آذار 1948 هي دليل مباشر وخطة رئيسة من جوانب عدة لطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. لم تكن عمليات الطرد سنة 1948 1949 نتيجة لأوامر عسكرية أصدرت من قبل القادة اليهود المحليين لاعتبارات عسكرية أو استراتيجية ولكنها كانت أيضا حصيلة للتحضيرات الجادة واستجابة للرؤيا التي دونت وعبّر عنها مرارا وتكرارا في القرارات الداخلية للحركة الصهيونية بين عام 1937-1948.

 

________________________

د. نور مصالحة هو محاضر ومدير دراسات الأرض المقدسة، في كلية سانت ماري، جامعة سريSurrey  في المملكة المتحدة، وباحث مشارك في كلية الدراسات الافريقية والشرقية بجامعة لندن. وهو كذلك محرر مشارك  في مجلة دراسات الأرض المقدسة، متعددة المجالات. من مؤلفاته: طرد الفلسطينيين: مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882-1948(1992)؛ الفلسطينيون في إسرائيل (1993)؛ أرض أكثر عرب أقل: سياسة الترانسفير الاسرائيلية في التطبيق 1949-1996 (1997)؛ إسرائيل الكبرى والفلسطينيون: سياسة التوسع 1967-2000 (2000)؛ سياسة الإنكار: إسرائيل ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين (2003). "ذكرى الكارثة: فلسطين، اسرائيل واللاجئين الداخليين: في ذكرى ادوارد سعيد” (قريبا، صيف 2005).
 


rorcoalition.org
© 2006 حقوق الطبع محفوظة للائتلاف الفلسطيني لحق العودة.