|
النكبــة وعمليــة صنــع الســلام
بقلم: د. ايلان بابيه
هنالك نزعة لدى العلماء السياسيين والساسة المنخرطين في
صنع السلام على حد سواء للنظر إلى الماضي والذاكرة كعقبة
في طريق السلام. وعادة ما ينصح هؤلاء بتحرير النفس من قيود
الماضي كمتطلب لاحلال السلام. وتعتبر وجهة النظر هذه راسخة
في بيئة سياسات التسوية والوساطة الأكثر شمولا التي ظهرت
في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد
اعتمدت مدرسة الفكر هذه طريقة تشبه إدارة الأعمال والتي
تتعامل مع الماضي كمفهوم لا علاقة له في صنع السلام. وهذا
يعني أن صناع السلام يعتبرون الوضع الحاضر، مع توازن قواه
وحقائقه على الأرض، نقطة بداية في أية عملية للتسوية. وهذا
أيضا يعني أنه حتى عندما يتم تسجيل فشل ذريع في جهد سلام
كهذا، فإن الجهد المتجدد ينطلق من وجهة نظر مماثلة، تتجاهل
بشكل خاص اخذ العبرة من الفشل في المراحل السابقة. وقد
استنتج الروفيسور نوعم تشومسكي، الذي لاحظ مثل هذا التوجه
في عملية السلام في الشرق الأوسط أن النتيجة كانت عملية
سلام "لا تنتهي" ولم تكن معنية بإحلال السلام وإنما وفرت
وظائف وعمل لمجموعة كبيرة من الناس ينتمون إلى صناعة
السلام.
شكلت هذه الفلسفة عملية السلام في فلسطين منذ العام 1948
وبشكل خاص بعد 1967. فيما قبل 1967 وفي السنوات التي عقبت
التطهير العرقي في فلسطين كانت هناك جهود دولية قليلة جدا
لحل المشكلة. في السنتين الأوائل بعد النكبة، كان هناك بعض
الحيوية في الأمم المتحدة والتي أنتجت جهدا دبلوماسيا
لتهدئة الاوضاع في البلاد وتوِّجت باجتماع مؤتمر السلام في
لوزان بسويسرا في ربيع العام 1949. وقد كان هذا مبني على
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 ولم يشر كذلك
إلى الماضي كمفهوم أو جزء من صنع السلام. كانت أحداث
الحاضر درامية إلى درجة كافية لجذب الانتباه إلى مجتمع
اللاجئين كقضية رئيسية تحت البحث. بنظر هيئة الوساطة
الدولية التابعة للأمم المتحدة، وهي الهيئة التي وضعت
مسودة القرار 194، كانت عودة اللاجئين غير المشروطة أساس
السلام في فلسطين. وتجاهلت اللجنة كليا الطبيعة
الاستعمارية للصهيونية أو فقدان فلسطين كوطن، كمساحة
وكحضارة. ولكنها على الأقل تعاملت مباشرة مع المأساة
الإنسانية التي كانت تتكشف في فلسطين. كانت هذه آخر مرة
يتركز فيها جهد دولي على هذه القضية. ولاءً للفكرة التي
تتجاهل الماضي وشروره، استند كل جهد للسلام منذ ذلك الحين
على توازن القوى والمصالح الخفية واجندة صناع السلام
(الدبلوماسيين الأمريكيين في معظم الحالات).
في الواقع، كان ميزان القوى بشكل رئيسي هو الذي حدد طبيعة
مقترحات السلام. وبشكل اصح كان الجانب الإسرائيلي هو الذي
افرز الرؤية العقلانية في جهود السلام؛ و قواعده تشكلت من
قبل ما اصبح يعرف بمعسكر السلام في إسرائيل. لهذا كان أساس
مقترحات السلام هو برامج تناسبت مع هذا المعسكر والتي قدمت
بشكل واضح وجها اكثر اعتدالا في الموقف الإسرائيلي تجاه
سلام محتمل في فلسطين.
تشكلت الخطوط العريضة بشكل أوضح بعد عام 1967 وتولدت كرد
على الحقيقة الجغرافية السياسية التي ظهرت بعد حرب حزيران.
أصبحت هذه جلية في عملية تماشت مع الحوار الداخلي في
إسرائيل بين الجناح اليميني (شعب إسرائيل الكبرى) و الجناح
اليساري (حركة السلام الآن). وبعد أن تم تبني هذه الخطوط
العريضة من قبل الطبقة الحاكمة أمريكيا، تم وصفها بصفات
إيجابية جدا مثل (تنازلات، خطوات معقولة ومواقف مرنة). لكن
هذه الخطوط العريضة خدمت المشهد الداخلي الإسرائيلي وبهذا
تجاهلت بشكل تام وجهه النظر الفلسطينية مهما كانت طبيعتها
و دوافعها.
أول هذه الخطوط العريضة كان أن الصراع الفلسطيني
الإسرائيلي بدأ في عام 1967 و لهذا فأساس حله هو اتفاقية
ستحدد مستقبل وضع الضفة الغربية وقطاع غزة. و بكلماتٍ
أخرى، فان حلٌ كهذا يقتصر على ألـ 22% من مساحة فلسطين
التاريخية والتي يجب إيجاد تسويةٍ عليها حسب الأسلوب
التجاري.
الخط العريض الثاني هو أن كل شيء مرئي في هذه المناطق قابل
للتقسيم وان هذا التقسيم مفتاح السلام. لهذا استندت خطط
السلام، بما في ذلك خارطة الطريق الأخيرة، على فكرة أن
المنطقة، شعبها و مواردها الطبيعية يجب أن تقسم. فلا عجب
انه تحت هكذا افتراض أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من غزة
أو 80% من الضفة الغربية يستدعي عبارات المدح المذكورة
أعلاه.
الخط العريض الثالث هو أن كل شيء حدث حتى 1967 بما في ذلك
النكبة والتطهير العرقي هو غير قابل للتفاوض على الإطلاق.
تداعيات هذا التوجه واضحة. أنها تزيل قضية اللاجئين كليا
من اجندة السلام وتعامل حق الفلسطينيين في العودة كنقطة لا
يمكن البدء منها. تم الإفصاح عن هذا الموقف أولا في
الأوراق الإسرائيلية الرسمية التي حضرت لقمة كامب ديفيد في
صيف عام 2000 و لاحقا كموقف أمريكي عشية قمة شارون– بوش في
آذار 2004.
النهج الأخير هو مساواة تامة بين إنهاء الاحتلال
الإسرائيلي و إنهاء الصراع. بمرور الوقت كان هناك تغييرات
طفيفة في تقديم هذا النهج. فمنذ عام 2000 اصبح إنهاء
الاحتلال مرتبطا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. اصبح هذا
جزءً من النهج حيث أنه اصبح مقبولا من قبل المعسكر
الإسرائيلي وحتى من قبل المركز السياسي. هذا التغيير
الفكري الظاهري في السياسة الصهيونية كان له علاقة بسيطة
بالتغيير الأيدلوجي في إسرائيل و بشكل اكبر بالذبذبات
البسيطة في توازن القوى المحلي. تشكله يضمن أن الدولة
(الفلسطينية) ستكون عبارة عن "بانتوسان" بدون سياسات
مستقلة، بدون وحده جغرافية، على نصف الضفة الغربية، داخل
أسوار ضخمة تحيط بكنتوناتها المتفسخة، بدون بنية تحتية
اقتصادية أو اجتماعية قابلتين للعيش وبدون عاصمة. تحت هذه
الظروف كان بالإمكان مساواة إنهاء الاحتلال بإنشاء فلسطين
المستقلة. هذا يعني أن الفصول السابقة من الصراع، و من
بينها تاريخ التطهير العرقي عام 1948، لم تكن مشمولة في
الجهد من اجل السلام والتسوية.
كما أشرت سابقا، هذه الخطوط العريضة تلائم نظرة أمريكية
اكثر عموما حول صنع السلام، والتي ميزة أساسية فيها غياب
أي إشارة إلى الإخفاقات السابقة في صنع السلام. ومن هنا
الفشل الواضح في عملية السلام في فلسطين حتى يومنا هذا لا
يشكل جزءً رئيسيا من التفكُّر المصاحب للخطوة القادمة من
العملية ذاتها. أسباب الانهيار الكامل لمبادرات روجرز
ويارنغ في عام 1971، مقترحات كسنجر في 1972، مؤتمرات جنيف
في 1974 و1977 ، مبادرة كامب ديفيد في 1979، اتفاقية أوسلو
والخطوات الأخيرة واضحة. فكلها تنطلق من محاولة صناع
السلام إزالة التطهير العرقي في 1948 من اجندة السلام
وإعفاء إسرائيل من مسئوليتها عن النكبة. لكن غياب عملية
تعلّم يضمن أن هذا السبب الواضح لن يؤخذ بالحسبان عند
محاولة تحليل الفشل- النزعة بالأحرى هي إلقاء اللوم على
الفلسطينيين وإضفاء صبغة محبي الحرب والمتشددين والذين لا
يرغبون في إنهاء الصراع عليهم.
الصفة المشتركة بين هذه الخطوط العريضة هي إصرار إسرائيل
الإجماعي على إلغاء قضية اللاجئين والنكبة من ذاكرة صنع
السلام. بمعنى آخر، الضحايا الرئيسيين للصراع الذين أشعلت
مأساتهم الصراع منذ عام 1948 اصبحوا غائبين تماما عن اجندة
السلام.
السبب وراء هذا الغياب المحير متأصل في السيكولوجية
السياسية بقدر ما هو ناتج عن سياسات القوة التي هي وراء
صنع السلام في فلسطين. الموقف الإسرائيلي من الصراع ومن
حله هو الذي حدد اجندة السلام وعليه فهو يتغذى على الخوف،
الهوس و الصدمات اكثر من المصالح والاعتبارات الأمنية
والتي تقدم من قبل الإسرائيليين على أنها الأساس في كل
جولة من المفاوضات.
في قلب هذا الخوف هو يقين انه بالرغم من سنوات الإنكار،
عملية سلام تضع حق عودة اللاجئين في محور اهتمام جهد
التسوية ستجعل من كل الاحتمالات واردة. عندها ستخرج
الأسئلة الحتمية عن الأسس الأخلاقية للدولة اليهودية وأصل
المشروع الصهيوني. ستترافق هذه مع سيلٍ من الأسئلة تتعلق
بحقوق التعويض ابتداءً من التعويض المالي وانتهاء بمحاكم
جرائم الحرب. وقد أظهرت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب
أفريقيا أن هناك طرق لتجنب العدالة العقابية والتركيز على
العدالة البناءة و التي ستكون رمزا للاعتراف مقرونا بأفعال
مثل عودة اللاجئين وهذه ستكون كافية للتغلب على الماضي. في
مثل هذه الحالة لا يصبح الفلسطينيين والإسرائيليين عبيداً
للماضي ولكن أناسا استعملوا الماضي ليحررهم من الحاضر
المرعب الذي يعيشونه. هذه وصفة لحلٍ سلمي ناجح.
من اجل أن ينجح هذا، من الضروري عدم التقليل من أهمية أو
تجاهل مخاوف الجانب القوي من توازن القوى، لكن يجب عدم
السماح لهذه المخاوف بالسيطرة على اجندة السلام كما هو
الحال هذه الأيام. لكنها ينبغي أن تكون جزءً من البحث
الكلي عن بنيةٍ سياسيةٍ في فلسطين وإسرائيل تكون قادرة على
حمل الحلول اللازمة لإنهاء الصراع في الأرض. و لكن حتى قبل
أن يبدأ هذا البحث يجب على كل من هو منخرط جديا أو معني
بتقدم عملية السلام أن يضع اللاجئين و حقوقهم بالعودة
والتعويض في قلب عملية سلام التي ستبدأ بشكل صحيح مع إنهاء
كامل للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية و قطاع غزة.
--------------------------
د. ايلان بابيه هو مؤرخ ومحاضر في كلية العلوم السياسية في
جامعة حيفا، والمدير الأكاديمي لمعهد أبحاث السلام في
غفعات حبيبا، ورئيس مجلس ادارة معهد اميل توما للدراسات
الفلسطينية والاسرائيلية. له عدد من الكتب منها
the Making of the Arab-Israeli Colflict (1992)
و
The Israel/Palestine Question (1999)
. وأيضا
A History of Modern Palestine: One Land, Two Peoples
(2003)
|