|
"متحــف
النكبــة"..
الواجهــة والمواجهــة
بقلــم: نهـــاد بقــــاعي
لا يطرح هذا المقال طروحات جديدة أو وصفات سحرية.
كما لا يدخل من باب الإملاء أو التأريخ، إنه اجتهاد يحتمل
الرد والتعقيب، والأهم من ذلك،أنه يطمح إلى المتابعة
والتطور، تكمن أهميته في إعلاء الأفكار التي يتبناها، نحو
تدعيم المشروع الفلسطيني عموما ومشروع حفظ الذاكرة خصوصا.
إنه دعوة الى العمل.
يعرض بروفيسور الدراسات الدولية بينيدكت أندرسون في كتابه
"المجتمعات
المتخيلة"
(Imagined Communities)
الدور الرئيس الذي لعبته المؤسسات الثلاث، إحصاء السكان،
الخارطة والمتحف في بلورة الهويات القومية في جنوب شرق
أسيا خلال العقود الماضية.
لقد برز دور هذه المؤسسات كمراكز قوة استغلتها الدولة
الكولونيالية من أجل خلق وترسيم هوية قومية واضحة المعالم.
ويربط المؤرخ الاسرائيلي هيلل كوهين من خلال خاتمة بحثه
حول المهجرين الفلسطينيين داخل اسرائيل بين أفكار
اندرسون المستنبطة من الشرق الأقصى واعتماد الدولة العبرية
كـ
"ثمرة
جهود"
الصهيونية على ذات المؤسسات
(بشكل
عكسي تماما)
في تعاملها مع وعي المهجر الفلسطيني
(ولا
وعيه في ذات السياق)
في محاولة لتصفية قضيته، اضافة الى الآليات المباشرة
الأخرى التي اعتمدتها لنفس
الغرض.
ولأن
"لعبة
مجموع الصفر"
ظلت تحكم مجمل تعامل الصهيونية مع الفلسطينيين، شعبا،
ومشهدا، وذاكرة، منذ فجر الصراع، فقد ظلت الكينونة
الفلسطينية أولا وكيانيتها ثانيا تعامل
(بفتح
الميم)
على انها انتقاص مباشر وخطير وتهديد وجودي بشكل إفتراضي
لمشروع بناء
"هوية
جيو-سياسية
مشتركة للمستوطنين الصهاينة على أرض فلسطين".
وبالتالي، فقد كان شطب الذاكرة الفلسطينية ضرورة واجبة من
أجل إعادة الخلق والصياغة الهستوبيوغرافية للمكان.
ومن نافلة القول في هذا السياق أن مشاريع شطب الذاكرة، هي
خطوة تابعة لمشاريع التغييب المادي للفلسطيني نفسه من هذا
المكان كشرط مسبق وواجب في العقيدة الصهيونية وممارستها،
وهو ما تم فعلا عن طريق الطرد والإبعاد القسري والتهجير.
من هنا، فقد حملت السياسة الصهيونية في تعاملها مع
الفلسطيني، وجهين متلاصقين، قام الأول وهو القاعدة على
أساس التغييب المادي، فيما
قام الثاني وهو الواجهة على أساس الإنكار.
وتروي سوزان سليوموفيتش مثلا في كتابهاThe
Object of Memory: Arab and Jew Narrate the Palestinian
Village
حول قرية عين حوض الفلسطينية، كيف حوّل المستوطنون اليهود
القرية الى عين هود وكيف رووا حكاياتهم عن تأسيس قريتهم
الخاصة بصورة شبه خرافية، وبأنها وجدت
"خرائب"
"تغطيها
الأعشاب وتعشش فيها الثعابين"
و
"فارغة"
و
"من
دون أشجار".
على الضفة الأخرى، سارعت المؤسسة الصهيونية الى بناء
الرواية والهوية الجماعية لجموع اليهود المهاجرين مع شتى
بقاع الأرض، والى تحويل المشهد الجيو
سياسي الى
"يهودي"
خالص.
وذلك من خلال لائحة مطولة من الرموز والأساطير والسياسات
حول المكان والتاريخ والذاكرة.
كما موضعت جموع المهاجرين ضمن بوتقة واحدة ضمن ما سمي بـ
"منجم
الانصهار"؛
"تخليص
الأرض"؛
"احتلال
العمل"؛
"جمع
الشتات"
و"الدفاع"
وغيرها.
ومرة أخرى، برزت أهمية مؤسسة المتحف في عملية إعادة
الصياغة والبلورة.
إن جولة قصيرة في الدليل السياحي الاسرائيلي، على سبيل
المثال، تقودك إلى التعرف على مئات المتاحف الوطنية في
إسرائيل حول، الجيش، والاستيطان، والعمل، والتاريخ اليهودي
القديم، وغيرها.
ولكن يظل دور هذه المؤسسة اكثر بروزا فيما يتعلق بالمحرقة
(الهولوكوست)،
في
"المركز
والشتات"
على السواء.
إن هذا يقودنا أخيرا إلى التجربة الفلسطينية المعاصرة.
فقد عانى الشعب الفلسطيني على مدار الصراع من توجه عام
قائم على انتهاك حقوقه وانكارها، وظل النضال الفلسطيني
عموما نضالا من أجل نيل الشرعية والاعتراف.
في الوقت ذاته، شكلت نكبة عام
1948،
ضربة قاسية في صميم الفلسطينيين شعبا ومجتمعا وتاريخا،
وفصلا حاسما له تبعات بعيدة المدى على مجمل تطوره الجماعي،
ولكنها لم تكن الضربة القاضية باي حال، لأن الفلسطينيون في
مرحلة ما بعد النكبة رفضوا منفاهم بكل بساطة.
وبالرغم من أن الواقع الجديد الذي أفرزته النكبة، ظل
محكوما لغياب صورة وافية وشاملة للنكبة، وظل الفلسطينيون
مطاردين ومهددين ومحتلين ولاجئين، إلا أنهم عملوا منذ يوم
التهجير الأول على رفض المنفى القسري كامر واقع، وفي ذات
الوقت أنيطت بهم
(وهم
الضحية)
مهمة مواصلة مسيرة إحقاق حقوقهم الجماعية والفردية على
السواء.
وقد تجلى هذا الإصرار من خلال آلاف الأمثلة الحاضرة، في كل
مكان تواجد فيه الفلسطيني تقريبا.
وخلال العقدين الأخيرين، وخصوصا خلال مرحلة أوسلو، شهدت
الخارطة السياسية الفلسطينية تغيرات جذرية
ذات معنى على مختلف الصعد، وبرزت أهمية الذاكرة والتأريخ
بشكل غير مسبوق.
وزاد الاهتمام بالمكان الأصلي، أي القرية والمدينة
المهجرة، من خلال التوثيق والتأريخ والسينما، كما تمت
عنونة قطاعات وحالات كانت محرومة سابقا من البحث والتوثيق.
لقد كان الفلسطينيون خلال العقد الأخير أكثر
"جرأة"
في التعامل مع العديد من القضايا التي وضعت طويلا على
الرف، كأمر
"مفهوم
ضمنا"،
أو
"سابق
لأوانه".
هكذا، شكل مخيم اللاجئين والقرية المهجرة العناوين الرئيسة
لكل ما يتعلق بنكبة
1948،
لأن هذه الأماكن أعتبرت، وبحق، شواهد حية وملموسة على
الجريمة.
ومع الأهمية القصوى للمكانين في الرواية الجماعية
الفلسطينية إلا أنها تظل مختزلة وغير شاملة في تعاملها مع
الرواية الجماعية الفلسطينية، لأنها تقدم بالدرجة الاولى
صورة مصغرة عن تجارب جزئية أو فردية لما حدث فعلا.
إننا في هذا السياق، بحاجة ماسة الى إطار
جامع يجمع كامل الرواية الجماعية وليس جزءا منها فقط.
وهنا يبرز دور مؤسسة المتحف كآلية مهمة للتجسيد.
"متحف
النكبة".
لأنه مكان للذاكرة والتعليم والحشد.
إن التذكير بذكرى الجرائم، بالرغم مما يسببه من ألم، هي
الوسيلة الأفضل للحيلولة دون تكرارها في المستقبل مرة أخرى.
وعليه، فإن منطق
"طي
صفحة الماضي"
كخطوة على طريق السلام تظل محاولة لتشويه التاريخ.
إذن، المتحف هو جزء من استراتيجية أشمل، تطمح الى اجتياز
النكبة عبر حفظها، ومحاولة اخرى من أجل الاعتراف بالشرعية
وكسر حالة الانكار والاستثناء.
كما أن متحف النكبة هو وجه آخر من أوجه المواجهة للرواية
الصهيونية التي طالما نهشت باللحم الفلسطيني إضافة الى
مواجهته مع الذات.
ولا بد أن يكون فضاء المتحف أوسع من آفاق القرية المهجرة
ومخيم اللجوء المحدود جغرافيا، فهو قادر على توفير رواية
جماعية متناسقة، في إطار ربطه للماضي بالحاضر والماضي
والحاضر بالمستقبل.
وكذلك في تعامله مع الهوية، التاريخ، الذاكرة، العودة
وآليات الحل.
كما للمتحف ايضا وظيفة هامة في توفير مستوى من الشرعية
للرواية الفلسطينية للنكبة.
إن جدلية عدم كون النكبة حدثا غابرا، بل حدث حي لا يزال
ينتظر الحل ينعكس بالضرورة على هذه المؤسسة.
كما أن المطاردة التي يعانيها الفلسطينيون تجعل من أمر
مأسسة الذاكرة أمرا في منتهى الصعوبة، وفي الوقت ذاته في
منتهى الضرورة.
إننا ملزمون، برغم كل شيء، بضرورة تذكير أنفسنا وتذكير
العالم بأصل الصراع وتبعاته.
كما على الذاكرة ان تجتاز الظرف الحياتي نحو المأسسة
العملية والعلمية.
وهذا الدور ملقى على عاتق الفلسطينيين وحدهم.
إن متحف النكبة يطمح لأن يكون الواجهة والمواجهة معا.
إنها دعوة صريحة الى العمل.
_________________
نهاد بقاعي هو منسق وحدة الأبحاث، المعلومات والإسناد
القانوني في بديل/المركز
الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، وهو محرر
مشارك في جريدة
"حق
العودة".
|