|
بين النكبة، النوع الاجتماعي والذاكرة: دور
المرأة اللاجئة في حفظ الهوية
بقلم: ايزابيل همفريز
قد يبدو للبعض طرح أثر النكبة على النوع
الاجتماعي (الجندر) عموما والنساء خصوصا وانعكاس ذلك على
مجمل النضال المعاصر مسألة عديمة الأهمية أو حتى مثيرة
للجدل. "لماذا تريدين تضييع وقتك في طرح اسئلة سوسيولوجية
حول النساء، في الوقت الذي يعاني فيه الجميع؟" سألني مدير
احدى المنظمات غير الحكومية. ولكن على العكس من ذلك تماما،
ان الخوض في الذاكرة النسوية للنكبة لا تعني باي حال تجاهل
معاناة الرجل أو المجتمع على وجه العموم، بل هو محاولة
لفهم أعمق وأشمل للنكبة وتداعياتها، من خلال الاصغاء الى
أصوات عادة ما يدفعها الصحفيون والمؤرخون الى الخطوط
الجانبية.
واذا كان التاريخ نتاج لمخطوطة من يمتلك
القوة، وهي الحقيقة الدامغة التي يعيها الفلسطينيون جيدا
من خلال تغييب روايتهم لتاريخهم مقابل نفوذ وتسلط الرواية
التاريخية الصهيونية التي كانت اكثر قدرة من نظيرتها
الفلسطينية على "مخاطبة" المجتمع الدولي في صياغة العام
1948، فان سماع صوت القوي في سياق كتابة التاريخ، هي حقيقة
يجب دائما أخذها بعين الاعتبار حين تتم بناء رؤية واقعية
للنكبة المستمرة. وطالما بقي الخطر في ان صوت جامعي
الرواية الفلسطينية من خلف الخطاب الصهيوني، سيكون هو صوت
النخبة؛ نخبة عادة ما تمثل الطبقة الوسطى والعليا، القيادة
السياسية، ومتلقي الثقافة والتعليم الغربيين، ونسبة عالية
منهم من الذكور.
تجلس السيدة آمنة على كرسي منخفض، تضحك من
جهاز التسجيل الموضوع أمامها، وتسمح لبناتها وأحفادها
بمقاطعتها عبر تجولهم في الغرفة وخارجها. من الشارع الموصل
الى بيتها في حي الصفافرة في الناصرة، يمكنك مشاهدة أراضي
قرية صفورية حيث سكنت السيدة آمنة سنواتها الأربع عشر
الأولى. من هنا، فهي تنتمي الى الجيل الأول، ذلك الجيل
الذي عاش النكبة بتجلياتها المختلفة، ويتذكر هول التهجير
والحياة ما قبله. في السنوات الاولى من التهجير، هجرت
السيدة آمنة الى مخيم عين الحلوة في لبنان، وبقيت فيه الى
أن حضر خطيبها وقطع الحدود الى لبنان لاحضارها للعيش في
الجليل. ولكنهم لم يتمكنوا من العودة الى صفورية بالطبع.
"ما الحاجة الى جهاز التسجيل؟" سألت السيدة
آمنة. وقال حفيدها أنه يحاول اقناع جدته للحديث الى الناس
حول ما تتذكره منذ سنوات، ولكنها رفضت مدعية انها "لا تملك
شيء جدير بالحديث عنه حول هذا الموضوع".
ان نسبة النساء من الجيل الأول اللواتي
نشطن في مجال الذاكرة هي محدودة. في وقت كان رجال الجيل
الاول هم من ينشطون في النضال ويتوجهون الى السلطات
الاسرائيلية من أجل أن يسمح لهم بزيارة المقابر والمساجد
والكنائس في قراهم الأصلية. رجال الجيل الأول هم من نظموا
اللجان الشعبية، وأقاموا الفعاليات الشعبية ذات الصلة
بالذاكرة والمسيرات والمهرجانات وغيره. ولكن وبالرغم من
ذلك، فان نساء الجيل الاول هم من ألقي على عاتقهن منذ أيام
التهجير والاقتلاع الاولى دور الحفاظ على الذاكرة والهوية
وواقع القرية ضمن الفضاء المحلي بالرغم من الغربة
والانقطاع المادي عن الأرض والمكان.
وتعود أصول الغالبية المطلقة من المهجرين
الفلسطينيين الذين لا يزالون يعيشون في الجليل الى أصول
ريفية قروية. اعتمد اقتصادهم في مرحلة ما قبل النكبة الى
حد كبير على زراعة وفلاحة أراضي القرية ومحيطها، اقتصاد
يوفر لهم نوع من الاكتفاء الذاتي وحتى الاستقلالية من
الحكمين العثماني والبريطاني، من خلال العمل مع الارض
والتي امتد الى أجيال كانت طقوس العمل تشمل الرجال والنساء
والأطفال والشبان كل له دوره المحدد في الأرض والموسم.
وكان للنساء الفلسطينيات الدور الرئيس في فلاحة الأراضي
جنبا الى جنب مع الرجل، ومع ذلك، فقد حافظت المرأة
الفلسطينية على دورها في تربية الأطفال وتنظيم شؤون البيت،
وهو ما كان دورا حصريا لها لم يشاركها الرجل فيه.
وفي الوقت الذي اضحى فيه الفلسطينيون الذين
هجروا قسرا عن بيوتهم في الجليل قوة عمل مأجورة رخيصة في
أسواق الصناعات اليهودية، فقد كان الرجال الذين اعتمدوا
على الأرض وفلاحتها كمرجعية لهويتهم أيضا كانوا عاجزين عن
نقل مهاراتهم في الزراعة الى الاجيال الجديدة، التي عملت
في غالبيتها أيضا كقوة عمل مأجورة في المصانع. وفي نفس
الوقت، فقد حافظت النساء على الهوية والذاكرة للقرية ضمن
الفضاء المتاح. في الوقت الذي كانت تحدثنا فيه السيدة آمنة
عن حياتها في قرية صفورية، كانت بناتها تقاطعهنا بتذكيرهن
لها عن حكايات من طفولة الوالدة في صفورية، اضافة الى ما
تعلمنه منها من تحضير للطعام، والاغاني الشعبية وغيرها.
لقد نجحت السيدة آمنة ضمن حدود جدران بيتها الخاص في تعليم
بناتها ما تعلمته من والدتها قبل زمن في قرية صفورية.
وتؤثر العبر والدروس من ذاكرة الطفولة
والقصص التي ترويها الامهات على الطريق الذي يختاره الجيل
الجديد اللاحق، ويرتبط ارتباطا مباشرا في نضالاتهم. "جدتي
الاخرى تحدثني ايضا عن صفورية، وكانت هي التي رافقت تطور
أفكاري المبكرة وأحلامي عن القرية". عقب زياد، حفيد
السيدة آمنة، وهو من الجيل الثالث. "لقد قالت لي انها لا
تستطيع ابدا زيارة أراضي القرية (صفورية)، لانها ان فعلت
ذلك فستموت هناك." وزياد هو أحد النشطاء في جمعية صفورية،
حيث يقوم مع رفاقه بتنظيم المهرجانات، واعداد الأفلام عن
موقع القرية، وبجمع مواد ارشيفية لضمان صفورية باقية.
وبالرغم من حقيقة انه لم يعرف صفورية ماديا، فمن الواضح
أثر كلمات جداته على شخصيته الوطنية والتي خلقت ذاكرة
راسخة لقرية لا تزال تعيش في فكره.
في ذات الوقت، فان فتحية، ابنة السيدة آمنة
ووالدة زياد، قد عملت على الحفاظ على حياة صفورية في
"الشتات القريب"، اذ تشارك أيضا في نضال أوسع واشمل من أجل
حقوق اللاجئين. لقد كانت المرة الاولى التي رأيتها فيها
قبل سنوات عدة، عندما كانت تحمل ميكريفون في مقدمة باص يقل
نساء يهوديات في زيارة خاصة الى قرية صفورية. بالنسبة لها،
فان هذا هو الطريق الاساسي لنضالها الخاص، مرافقة وفود
نساء يهوديات اسرائيليات لزيارة قريتها الاصلية، كنشاط
يهدف الى رفع مستوى الوعي الاسرائيلي لحجم الدمار والظلم
التي قام على عليه مجتمعهن.
السيدتان آمنة وفتحية، هما رمز للاختلاف
بين جيلين من النساء. ففي الوقت الذي حافظت فيه نساء الجيل
الاول على الذاكرة حية ضمن حدود البيت، فان بناتهن
وحفيداتهن كن راغبات في نقل قصص أمهاتهن الى المحيط
الخارجي عن طريق الحملات الجماهيرية. وفيما يبقى صحيحا ان
أعدادا أكبر من الرجال منها لدى النساء الذين ينشطون في
هذا المجال، ولكن هنالك نسبة أعلى من نساء الأجيال الجديدة
اللواتي يخضن هذا المجال.
لم تبلغ السيدة ام محمد سن العاشرة عندما
أجبرت على الرحيل من حي الحليصة في حيفا تحت وقع زخات
الرصاص اليهودية. وبخلاف السيدة آمنة وأخريات ممن لجأن
لجوء جماعيا مع لاجئين آخرين، فقد قصدت عائلة أم محمد بيت
الأب في قرية سولم القريبة من مدينة العفولة اليهودية. في
هذه القرية، كانت عائلة السيدة أم محمد هي العائلة اللاجئة
الوحيدة. وكطفلة، فقد أخبرتها والدتها عدم الحديث مطلقا
الى العامة عما حدث، نتيجة الخوف من ان شيئا من هذا القبيل
قد يحدث مرة أخرى. وقد احتاجت أم محمد الى عقود ترعرع
خلالها أحفاها ليصبحوا شبانا حتى بدأت بالحديث عن تجربتها
في النكبة.
"ليس لدي أي فكرة عن خوف أمي". تقول ابنتها
لينا، "لماذا لا تخبرنا؟". وفي الحقيقة، فان "الخوف" شكل
الوسيلة الأنجع للتعامل مع جموع الفلسطينيبن الباقين في
الجليل، والذين تحولوا من أغلبية الى أقلية في غضون اسابيع،
ووضعوا تحت الحكم العسكري الاسرائيلي، بالاضافة الى عدد
آخر من آليات السيطرة التي اتبعتها المؤسسة الاسرائيلية.
لا أحد منهم كان يعرف ما يخبئه المستقبل، وأية معاناة
جديدة كانت تنتظره "وراء الجدار". وبعد سنوات من الصمت،
شاركت السيدة ام محمد بنشاطات نسوية، وقررت اخبار روايتها
الى كل من يريد الاصغاء. "كنت سأجلس في هذه اللقاءات"،
تقول، "والنساء اليهوديات يخبرونني عن معاناتهن التي لحقت
بهن في أوروبا". "يبدو انهم لا يملكون أية فكرة حول ما حدث
لهن بعد، فقد قدموا الى هنا الى أرضي وأجبروا الفلسطينيين
على مواجهة نفس الابعاد اللواتي عانوه" .
في السنوات الأخيرة فان أعداد كبيرة من
التركيز من كلا النشطاء والاكاديميين على اهمية التاريخ
الشفوي، والذي قاد الى رفع الاهتمام في الجوانب الحياتية،
ومنها الأصوات النسائية. عدد من المثقفين مثل روزماري صايغ
وجولي بيتي وآخرون ركزوا بصورة خاصة على تجربة النساء
الفلسطينيات في الشتات، والطرق التي ساهمت فيها النساء في
رفع ذاكرة النكبة والحفاظ على الهوية الفلسطينية.
أخيرا، فقد ساهمت اللاجئات الفلسطينيات من
الاجيال المختلفة بصورة مختلفة، ليس فقط في حفظ ذاكرة
القرية المهدمة وتجربة اللجوء والنكبة، ولكن أيضا في نضال
العودة على طريق تحقيق العدل من اجل مستقبل افضل للأجيال
اللاحقة.
----------------
ايزابيل همفريز هي باحثة،
ومرشحة لنيل شهادة الدكتوراة من كلية سانت ماري، جامعة
سري، لندن. |