|
حول الرواية الصهيونية:
النكبة: الحدث الذي لم يقع (رغم وجوب وقوعه)
بقلم: إيتان برونشتاين
في شهر آذار 2004، نظم بالقرب من بناية السينما-سيتي
فعالية لذكرى القرية الفلسطينية اجليل التي كانت قائمة في
هذا المكان حتى عام 1948. وقد حاول سكان القرية المهجرة
لرواية قصتهم في ذبح العديد من الفلسطينيين على يد القوات
الصهيونية في المنطقة. وكان تقرير حول القرية، التهجير
منها، واللاجئين من القرية ومناطق سكنهم قد نشرت في جريدة
"زمان هشارون" لمناسبة يوم الذكرى. أسبوع بعد هذا التاريخ،
نشر في الجريدة ذاتها ردا وتعقيبا لقارئة غاصبة على
الجريدة التي "تعطي منصة للعرب الذين يدعون انهم سكنوا في
المناطق التي بنيت عليها السينما-سيتي مدعاة الفخر". احدى
المربيات في نتانيا، تفاجئت عندما سمعت من طلابها ان "سكن
في البلاد قبل اليهود كانوا البريطانيين". هذان هما
مثالان، هامشيان جدا، لانكار اليهود الاسرائيليين للنكبة
الفلسطينية. ومن الممكن طبعا ان نجد أمثلة أكثر جذرية
وشمولية من الأمثلة الواردة أعلاه، ولكن يبدو ان الادعاء
بان الجمهور اليهودي في اسرائيل ينكر حدوث النكبة هي حقيقة
لا تقبل التأويل ولا تحتاج الى برهان. انكار النكبة تسود
في الجغرافيا والتاريخ المدرس في المدارس، في خرائط
البلاد، وفي اللافتات المنتشرة على طولها وعرضها. كل هذه
تنكر بشكل مطلق حدث مكن عمليا من قيام الدولة العبرية
كدولة ذات أغلبية يهودية وأقلية فلسطينية، بعد ان طرد معظم
سكان فلسطين الاصليين ودمرت ممتلكاتهم او صودرت لصالح
الدولة الجديدة.
كيف من الممكن ان نفهم انكار النكبة؟ من الممكن ان نفسر
ذلك الى العامل النفسي، كانكار حدث غير مريح الاعتراف به،
ومن الممكن ايضا القول ان الاعتراف بالظلم الذي لحق
بالفلسطينيين سوف "تخرج" اليهود في اسرائيل من زي الضحية
التي تبرر أي فعل بشع تقريبا. ومن الممكن ان يكون هنالك
العديد من التفسيرات المختلفة والصحيحة لهذه الظاهرة. ولكن
هذا المقال يحاول فهم عامل محدد وحيد في مجمل الحوار حول
النكبة في اسرائيل (قبل وبعد قيامها) ولائبات انه بالنسبة
الى السوبييكط الصهيوني فان النكبة هي حدث كان من غير
الممكن ان يحدث ومع ذلك، كان يجب أن يحدث. الصهيونية منذ
فجر بدايتها انكرت وتجاهلت وجود سكان فلسطين العرب ولهذا
كان من غير الممكن ان يكون هنالك تطهير عرقيا لنحو 800000
شخص وتدمير أكثر من 500 قرية عربية. ولكن طرد الغالبية من
الفلسطينيين من وطنهم كان حدث واجبا بالنسبة للصهيونية
التي طمحت باقامة دولة يهودية، أي بيت قومي ليهود العالم
في اقليم ذا اغلبية يهودية مسيطر من الناحية القانونية.
النكبة كحدث لم يحدث
كان الفكر الصهيوني منذ بدايته منطلقا من قاعدة انكار
مضاعف: فقد انكر الزمن (التاريخ) والبعد (مرحاب) اليهودية
خارج صهيون، "انكار الشتات" (وهذا يخرج عن موضوعة هذا
المقال)، وهو ينكر الزمن والمرحاب المحلية الاقليمية في
صهيون. لقد كانت التصريح الماثور للقائد الصهيوني يسرائيل
زانغويل تبين وتعرف ذلك: "شعب بدون أرض يعود لأرض بدون
شعب". لقد كانت نظرة المفكرين والقادة الصهاينة الى السكان
المحليين في "صهيون" هي كنظرة الى حراس وملاكي الاراضي
(مؤقتا) في القطب الاول، وكغير قائمين اطلاقا كعامل ذا
أهمية في القطب الثاني. وفي هذا السياق تتشابه الصهيونية
مع مشاريع كولونيالية اخرى. ويكتب ادوارد سعيد في كتابه "ألاستشراق"
انه بالنسبة الى المستشرق "لا يوجد أي ذكر لعرب من الافراد
الذين يملكون روايات شخصية لتاريخهم والتي من الممكن ان
يقصونها (…) ان العربي لا يملك أي ثقل وجودي وحتى غير "سيمنتي"
(…) انسان استشراقي هو بداية استشراقي وبعدها نسان" (صفحة
203-205). وبموجب التوجه الصهيوني، كحركة استشراقية
تقليدية، فان العرب من سكان فلسطين الاصليين يعيشون
ومجودون في هذه البلاد ولكن لا توجد لهم أهمية بمفهوم ان
يستحقون نظرة كتلك المتاحة "الانسان الاوروبي". انهم طبعا
ليسو شعبا او جماعة القادر او الذي يريد ان يطبق هذا
الخيار، مثل/مقارنة بالشعب القومي اليهودي.
واذا كان الفلسطينيون غير موجودين "فعلا"، بخلاف "فعلية"
الوجود اليهودي، فان طردهم لا يمكن ان يحدث. فلا يمكن ان
تطرد من هو غير موجود أصلا. ان الاحداث العنيفة التي حدثت
فعلا حول عام 1948 قد حدثت، بموجب الادعاءات الصهيونية،
ولكنها كانت ردا حتميا لشغب "المحليين" الذين لم يتقبلوا
فكرة قيام الكيان الجديد في طور الاقامة، الدولة اليهودية.
ولهذا، فما من المهم فهمه، دراسته وتعليمه من هذه الفترة،
هو قصة "التحرير" و "الاستقلال" للشعب اليهودي في وطنه.
وبموجب هذا التوجه، فانه بالتأكيد لم تحدث نكبة او ماساة
لشعب آخر، لانه لم يكن موجودا اصلا في البلاد. ان مئات
القرى في مناطق الساحل ، الجنوب والمركز لم يطردوا ولكن
بموجب "الخطة دالت" (دال) لقوات الهاجاناة، حدث "تواصل
جغرافي اقليمي". ان المرحاب (البعد) اذن هو يهودي بشكل
"طبيعي" ويجب ان يهتم بذلك ونقله للسيطرة الصهيونية. ان
التواصل الجغرافي-الاقليمي اليهودي والتناسق ديمغرافي
يهودي في فلسطين تقع في اعماق التفكير للمشروع الصهيوني.
ولهذا، فانه لا يستطيع ان يفهم، أو ان يرى الماساة التي
خلفها هذا المشروع. لان الحديث هو عن تطبيق تاريخي لفكرة
تستمد شرعيتها من التناخ ومن فكرة القومية المعاصرة. ان
الفكرة السوبيكت الصهيوني يقوم أساسا لا يمكنه ان يرى
النكبة او ان يعالجها ويناقشها بجدية بمنطلقاتها. ان عليه
أولا ان يزيل ماهيته الداخلية من أجل ان يبدأ برؤيتها كحدث
في تاريخ المرحاب الذي طبقت فيها الصهيونية.
ولكن ومنذ العام 1948 وصاعدا، فان النكبة مزالة، يجب ان
تكون مزالة من وعي السوبيكت الصهيوني لان قيامها مدعاة لهز
القاعدة التي قامت عليها الصهيونية، "ارض بلا شعب لشعب بلا
أرض". ان الاعتراف بالنكبة الفلسطينية، مثلها مثل سحب
البساط من تحت اقدام السوبيكت الذي يفهم نفسه باستقلالية
أو "مونادا" مغلقة. ولذها، فان أي اعتراف كهذا، او اية
محاولة من اجل النظر الى المأساة كحدث قد وقع بحق الآخر
هنا، فهي شعرورتييت، وغير مقبولة. من الممكن الاعتراف بانه
كان هنا و هناك مجازر، كنتيجة لصدامات ومعارك محلية، ومن
الممكن الاعتراف بذلك بعد ان حاول كل الجيوش العربية
تدميرنا وأبادتنا، وهو المشروع السوبيكت الذي يريد ان
يدافع. ولكن من غير الممكن النظر الى النكبة على انها
كارثة نفذها هذا السوبيكت من أجل بناء ذاته، وكعملية واجبة
للمشروع الصهيوني.
النكبة كحدث واجب الوقوع
من الجانب الآخر، وبشكل متناقض، فان النكبة- العنف الذي من
خلاله تم طرد سكان البلاد والمتبقين فيها وتحولوا الى
لاجئين في وطنهم أو لمواطنين مشوهين، هي عملية أو حدث واجب
الوقوع في نظر المشروع الصهيوني لانها بلورته كسوبيكت صافي
من الناحية الاثنية العرقية، مغلق ومستقل، والذي يبلور
نفسه من خلال دولة مخصصة له. وبدون النكبة، ان المشروع
الصهيوني كان من شانه ان التلوث بأفكار وممارسات غريبة
عنه، مثل ثنائية القومية وغيرها. ولكن أيضا ان يتلوث من
الناحية المادية الفيزيائية في المساحة التي لا يسيطر
عليها بشكل حصري ومطلق. كما يصف ذلك جيدا بني موريس، فان
فكرة الترانسفير-الترحيل، قد مكثت قويا في أذهان القادة
الصهيونيين وكتاباتهم منذ العقود الأولى من القرن العشرين،
من خلال فهم عميق بأن اقامة الدولة اليهودية وكيانها
ووجودها يوجب طرد السكان المحليين في ارض اسرائيل.
وكما يواصل بني موريس، فكذلك في خلال النكبة فان القادة
الصهيونيين قد اتخذوا موقفا، وبصدق بوجهة نظره، وهي عدم
السماح للاجئين وذلك من أجل عدم السماح ان يزيلوا في
امكانية قيام الدولة اليهودية. وكان القرار المهم الذي
اتخذ على يد الحكومة الاسرائيلية في قضية منع عودة
اللاجئين الفلسطينيين تعبر عن الوعي الكامل والواضح الذي
كان بحوزتهم حول حدوث التطهير العرقي وأيضا تبريره بصورة "بديعباد".
وايضا عندما كان الحديث عن قرى عربية الذين سكنوا بجوار
حسن مع اليهود حتى 1948، وقسم منهم حتى عمل على ابقاء
العرب في البلاد، وفي أغلب الاحيان فانهم لم ينجحوا بذلك.
لان الفكرة الصهيونية لم تكن حول قرية او أخرى، ونظرتها
(القرى) وعلاقتها بالدولة الجديدة. ان الصهيونية قد اعتبرت
العرب الباقين في البلاد قد تلقوا معروفا، وبموجب موريس
فقد كان هذا خطأ. لأن المشروع الصهيوني كان عليه ان يطرد
سكان العرب من أجل بناء نفسه.
وهنالك شهادة مثيرة من يوسف فايتس، من قادة الصندوق القومي
اليهودي في حينه، والذي يتحدث عن هخدم قرية زرنوقة بعد طرد
سكانه، وذلك بالرغم من توجهات عديدة ليهود في عدم طردهم.
ويتحدث انه كان هناك في القرية ويرى الجرافات كيف تقوم
بهدم البيوت التي حوت ليس من فترة بعيدة الناس وهو لا
يتأثر بشيء. ان هدم وتدمير الحياة الفلطسينية لا يؤثر فيه
بأي تأنيب ضمير أو ضرر نفسي. وهو متفاجئ من حقيقة انه لم
يتأثر بشيء. وكأن هذا الهدم هو شيء متوقع ومفهوم ضمنا.
النكبة تستمر كما لم تحدث وتهدد عندما تظهر
اذا كان الادعاء الأساس هنا صحيح، فمن الممكن ان نفهم هنا
عمليتين اساسين قائمين فيما يتعلق بالنكبة، واحد في عالم
واقع الصراعات المسلحة والثاني في عالم الوعي للاسرائيليين
اليهود الذين ينكشفون على النكبة.
ان النكبة كحدث لم يقع في ذلك الحين لا تزال كحدث لم يقع
لغاية اليوم. ان اغتيال القادة الفلسطينيين، مصادرة
الاراضي ومنع فلاحتها عن طريق الجدار الذي تبنيه الحكومة
الاسرائيلية، انكار كل حقوق الانسان، ينظر اليهم على يد
السوبيكت الصهيوني كحرب ضد الارهاب وكعمليات دفاع واجبة ضد
الارهاب غير المغفور له وغير المبرر من قبلا الفلسطينيين،
الذين ينظر اليهم كنوع من التلوث أو الطفرة البيولوجية،
كما تحدث أحد القادة الاسرائيليين مؤخرا. واذا كانت النكبة
لم تقع، فلا يمكن ان يكون ملايين الفلسطينيين من اللاجئين
اليوم الذين يطالبون باستعادة حقوقهم وكذلك من غير الممكن
ان يطالب الفلسطينيون بالسيطرة على خمس مساحة فلسطين لأنه
في الماضي لم يكن لديهم أي شيء، بموجب النظرة الصهيونية.
وعليه، فان كل ما يجري اليوم، هو منفصل عن السياق التاريخي
للنكبة. ان النظرة الى العام 1948 تكون بموجب الرواية
الصهيونية الى انه كيف انهم لم يقبلونا هنا (بموجب قرار
التقسيم مثلا)، فانهم ايضا اليوم يريدون الى يرمونا في
البحر.
ان هذا الامر يفسر ايضا انكار وتجاهل اسرائيل لقضية العودة
الفلسطينية. ولا يوجد في اسرائيل قضية المتعلقة بالصراع
التي يوجد عهليها اجماع واسع بهذا النطاق كما يوجد لمعارضة
عودة اللاجئين. ومن أجل الحقيقة، فلا يوجد حاجة لمعارضة
العودة، لأنه نفس النقاش حول القضية ينظر اليه كتهديد
وجودي ولهذا فهو مهمش من الأجندة اليوم بدون أي تعقيبات
جدية. ان كل الاحزاب الصهيونية واليهودية متفقة على هذا
التوجه. وهذا الأمر يشبه وملائم لمنطق لم تقع وحقوق ملايين
البشر غير موجودة لغاية اليوم. واذا كانت النكبة اليوم، في
نظر المشروع الصهيوني فقد يكون هناك رجال اسرائيليين على
الاقل من اليسار الاسرائيلي الذين يفهمون ان الجانب
الاسرائيلي يجب ان يعمل شيء من أجل ان يتحمل المسؤولية على
ما حدث في العام 1948. ولكن اذا لم تكن هنالك نكبة، فلا
يوجد أي سبب لتحمل المسؤولية.
هنالك عملية مهمة أخرى، والتي تتطرق الى تجاهل النكبة
لليهود الاسرائيليين الذين يتعرضون لها وينكشفون عليها،
وفي بعض الاحيان عن طريق فعاليات جمعية زوخروت، ولكن بطرق
أخرى. ان الفرد الاسرائيلي اليهودي الذي جرب اللقاء مع
النكبة الفلسطينية كنوع من اللطمة المفاجئة في الوجه.
وبشكل مفاجئ، وبدون أي انذار او تحضير مسبق (نتاج لتجاهل
طويل الامد) فهو يتعرف بالمأساة التي تعرض لها جاره
الفلسطيني وهو نفسه في الطرف المسبب. وهذا يسبب شعورا لا
يطاق لشعور بالذنب وقلة الحيلة. ولكن الذنب هو الجانب
الأسهل، لانه من الممكن ان نعترف به وبطلب الغفران. ان
المشكلة الحقيقية في اهتزاز كل ما تربينا عليه حتى هذا
اللقاء، في حال اننا نريد ومستعدين لفعله عبر الاصغاء
الحقيقي لصوت النكبة. ان السوبيكت الصهيوني يقف على أساس "رعوع"،
فقد بنى نفسه بشكل عنفي وهو ينكر ذلك، في وجهة نظر ان هذا
لم يحدث. ان روح الشر (روح رفأيم) عندما تهب (على يد جمعية
زوخروت مثلا) فهي تسبب ردود فعل تملها الغضب والصدمة. ولكن
بزيادة على شعور ونظرة مختلفة للماضي الذي يهدد هي ربما
المفتاح لبداية مصالحة بعد نحو ستين عاما من النكبة.
|