|
ملاحظتـان حــول المسـؤوليــة العربيــة عن النكبــة
بقلــم: رجــا زعاتــرة
تعتبر نكبة العام
1948،
وبحق، المحطة الأساسية في تاريخ شعبنا العربي الفلسطيني
الحديث. وتحتل النكبة، إذا جاز التعبير، حيزا كبيرا من
روايتنا التاريخية. وكما في أية رواية لأي شعب، تلعب
الانتقائية دورا ما في تشكيلها وترتيب أولوياتها. لأن هذه
الرواية هي أحد العناصر التي تكوّن هوية شعبنا الوطنية بما
يتلائم ومتطلبات القضية. أي إنها ليست منتجا جامدا بل
ديناميكي. وبطبيعة الحال لا يمكن للرواية التاريخية لشعب
ذي قضية عادلة أن تتلافى الحقائق التاريخية الدامغة او أن
تمغمغها. ولكنها قد تحجّمها، تضخيما أو تقزيما.
وهذا بالمناسبة ليس مأخذا على روايتنا. لأن الرواية بنفسها
ليست قيمة قائمة بحد ذاتها والقداسة الوحيدة التي قد تمت
لها بصلة هي خدمتها للمجموعة صاحبة الرواية ولقضيتها.
الحقيقة التاريخية المقرونة بالأدلة والوقائع العينية هي
أن المسؤولية السياسية والتاريخية والأخلاقية لمأساة
النكبة واقتلاع غالبية بنات وأبناء الشعب الفلسطيني من
وطنهم وأرضهم تتحملها الإمبريالية والصهيونية بالاضافة الى
المسؤولية العربية. صحيح أنه تتفاوت مسؤولية كل جهة نوعيا
ولكن جميعها مسؤول بشكل أو بآخر.
رغم ذلك، لا يمكن الإدعاء بشيوع الوعي للدور العربي في
نكبتنا وفي حجمها. سواء أدار الحديث عن تواطؤ مع القوى
الإمبريالية والحركة الصهيونية سياسيا، أو عسكريا، أو عن
أداء القيادة العربية التقليدية التي كانت منقسمة على
نفسها بين قوى مهادنة للإستعمار وأخرى أكثر مهادنةً.
إدعائي الأول هو إن الدور العربي لم يسقط سهوا، بل نتيجة
لظروف تطوّر القضية الفلسطينية.
بعد النكبة مباشرة كانت القضية الفلسطينية قضية لاجئين في
الأساس. وهو ما أدى الى أن تتسم علاقة الفلسطينيين
بالأنظمة العربية بالتبعية وانعدام التكافؤ جيو-سياسيا
واقتصاديا. ولاحقا، أي عشية وبعيد تأسيس منظمة التحرير
الفلسطينية، شهد جزء من الدول العربية مدا تحرريا معاديا
للإمبريالية وللمشروع الصهيوني (ظاهريا على الأقل)، وهو ما
عمّق حساسية الموقف. وزاد الطين بلةً، تبلور أنظمة تحكمها
عقليات وسياسات توفيقية سرعان ما أبرزت تناقضات جعلت من
نفس ذلك المد تهديدا لهذه الأنظمة ولاستقرارها فصار الوضع
أكثر تركيبا. وهكذا ظلت العلاقة ترزح تحت غطاء كثيف من
التوتر والتضارب. بين أنظمة عربية تسعى الى احتواء حركة
التحرر الفلسطينية، وأنظمة تتاجر بالقضية الفلسطينية
إقليميا وعالميا، وقليلة هي الأنظمة العربية التي أنصفت
شعبنا وقضيته بحق.
وفي الوضع الذي نشأ مطلع التسعينيات، أي بعد انهيار
الإتحاد السوفياتي وحرب الخليج واتفاقيات أوسلو، وجدت حركة
التحرر الوطني الفلسطينية نفسها في مواجهة ليس مع إسرائيل
والولايات المتحدة فقط، بل أيضا في مواجهة محور يدور في
فلك الإمبريالية ومنها قسم من الأنظمة العربية. وكما
أسلفنا فإن الرواية التاريخية تتبلور وفق متطلبات الحاضر
والمستقبل. ومن هنا نرى إن ظروف تطوّر قضية شعبنا أملت على
روايتنا محدودية معينة.
ولكن نفس هذه الظروف المركبة، خلقت وضعية خاصة بقي فيها
150
ألف فلسطيني داخل دولة إسرائيل. هذا
الجزء من الشعب الفلسطيني صمد وخاض نضاله في معزل عن وصاية
الأنظمة العربية، وبالتالي لم يعان من المحدودية المذكورة
أعلاه. لذا ليس من الصدفة أن تكون قراءته أكثر وضوحا (في
هذا السياق، وربما تنسحب هذه الميّزة على جوانب أخرى
أيضا). وهنا لا بد من الإشارة الى كتاب المؤرخ والمفكر د.
إميل توما "جذور القضية الفلسطينية" الذي يقدم صورة شاملة
متكاملة لم تتوان عن التدليل على نوعية ونطاق مسؤولية
الجهات المختلفة حول النكبة.
إدعائي الثاني هو إن لهذه المرحلة الحساسة من مسيرة الشعب
الفلسطيني نحو انتزاع حقوقه الوطنية كاملة متطلبات مغايرة.
خاصة في ظل نظام القطب الواحد المنحاز كليا الى سياسات
إسرائيلية تريد التخلص من ثمن الاحتلال دون وقف هذا
الاحتلال. وما أقصده هو تحديدا دور الأنظمة العربية في
المعادلة الإقليمية. وهو ما تعول عليه الولايات المتحدة
الأمريكية وإسرائيل لمحاولة الضغط على القيادة الفلسطينية
للتكيف مع الانحياز الامريكي لإسرائيل والإملاءات
الإسرائيلية ومن اجل تسويق مخططاتهم السوداء المعادية
لحقوق شعبنا العادلة وبالذات في قضية اللاجئين، المرتبطة
بالنكبة بحبل سرتها.
واليوم، في خضم المعركة على التمسك بالثوابت الوطنية
الفلسطينية، علينا نحن الفلسطينيين ملقاة مسؤولية صون هذه
الحقوق، كما على الدول العربية ان تعي المخطط المحاك ضد
الشعب الفلسطيني وألا تلعب على حباله التنفيذية.
_________________
رجا زعاترة هو صحافي وناشط سياسي، يعمل محررا في جريدة
"الإتحاد" الصادرة في حيفا. شغل السيد زعاترة في السابق
منصب رئيس الإتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب في
إسرائيل. |