الصفحة الرئيسية
 حول الائتلاف
 أعضاء الائتلاف
 اللقاءات التنسيقية السنوية
 نشاطات الائتلاف
 إصدارات الائتلاف
 تقارير صحفية
 روابـط
 إتصل بنــا
   




 

 

.

 

النكبة الفلسطينية في العام 1948

 

في مقابلة شاملة مع "حق العودة" في الذكرى السادسة والخمسين للنكبة

سميـح القاســم: حجــم المؤامــرة كــان أكبــر مــن الوعـي السيـاسـي السـائـد
 

"حق العودة": في العام 1948، لم يتجاوز سميح القاسم سن التاسعة، في وقت شهدت فيه قرى الجليل وقرية الرامة مسقط رأس الشاعر كغيرها من القرى والمدن الفلسطينية تجربة الحرب والتهجير واللجوء. فما هي ذكريات القاسم من النكبة الحاصلة؟

 

القاسم: يبدو لي أحيانا أن حياتي قد بدأت في العام 1948. والسبب في هذا القول أن ذكريات طفولتي تتجمع في عام النكبة، لأن الحياة الإجتماعية في بلدة الرامة كما في كل قرى الجليل قد تشوّشت وتوتّرت. والدي، أعمامي وأخوالي كانوا بين المتطوعين في الدفاع المدني، فوالدي كان قائدا في الدفاع المدني في الرامة لانه كان ضابطا في جيش قوة الحدود في الاردن في الحرب العالمية الثانية. وكان هناك احتكاك مع قادة جيش الانقاذ في البلدة، لا سيما مقدم كان اسمه عامر، وأذكر بعض المعارك والمناوشات التي شارك فيها رجال الدفاع المدني، مثل معركة الليات، معركة البروة، معركة عكا، معركة لوبيا، وأذكر ان والدي خدش خلال هذه المواجهات ولكنه لم يجرح جرحا بليغا، وأذكر أن خالي الأستاذ سلمان الصياد فقد عينه في معركة شفاعمرو. إذن المواجهة كانت جزءا من طفولتي. أذكر الفلاحين من القرى المجاورة ومن قرية بيت جن بشكل خاص الذين ذهبوا الى المعركة وهم يحملون عدة الزراعة، المناكيش، والشواعيب، والبلطات وينشدون الاغاني والاناشيد الوطنية "المحوربة". وأذكر أيضا، ضباط جيشنا وهم يهربون في الجيبات العسكرية من الشارع الرئيسي في بلدتي بجانب منزلنا في البلدة القديمة. أذكر جنود جيش الانقاذ اللذين حلوا ضيوفا على أسرتنا والحوار الذي جرى بين المرحوم والدي وأحد هؤلاء الجنود واسمه سمارا. وسأله والدي بعد العشاء وكان أهل البلدة مجتمعين في منزلنا: يا سمارا كيف تميز بندقيتك من بندقية صاحبك؟ فقال سمارا: بالقشاط أي بالحزام، فسأله والدي: وإذا استبدلنا الحزام فكيف تميزها؟ قال: يقولون عليها رقم. فسأله والدي: وما هو رقم بندقيتك يا سمارا؟ فقاله: لا تصعبها يا أبو قاسم.. ولم يكن يحفظ رقم بندقيته، فضحك الجمهور. وبعد فترة، أي بعد أيام استدعي والدي وزملاؤه الى عكا للدفاع عنها، فذهبوا الى هناك، وكانت هناك شاحنة عسكرية مقلوبة وتحتها رجل يئن ورفعوا الشاحنة، واذا به سمارا. وقد سحقت ساقه، فسأله والدي: ماذا اصابك يا سمارا؟ قال: خلصني وخلّي حوران مني وجاي، أي يريد أن يهرب الى أبعد من حوران، فنقلوه الى جامع الجزار في عكا حيث تحول المسجد الى ما يشبه المستشفى، وبالفعل رحل سمارا ولم نعرف عنه شيئا الى هذا اليوم. وكنت معنيا بمعرفة مصيره. يوم دخلت قوات جيش الانقاذ من الخط الشمالي بأضواء قوية، أذكر حوارا بين عمي وكان أيضا ضابطا في الجيش وانضم الى جيش الانقاذ ومن ثم الى الجيش اللبناني وأصبح برتبة رائد في الجيش، ان دخول الجيش لم يكن منظما ولم يكن دخولا عسكريا بالمعنى الصحيح كما فهمت من الحوار الذي دار بين والدي وعمي، رحمهما الله. وأحسسنا في طفولتنا أن هنالك استخفافا بطفولتنا وبوطننا وقضيتنا. والى اليوم أذكر كلام الشيوخ آنذاك: "باعوها ولاد الكلب، باعوها لليهود"، والمقصود بولاد الكلب طبعا، القيادات العربية آنذاك، القيادات الرجعية المتواطئة مع الاستعمار. وقبل 1948 كنت في جوقة الانشاد في المدرسة، وكنا كل يوم صباحا، ننشد للطلاب موطني، بلاد العرب أوطاني، يا علمي يا علم، يا ظلام السجن خيّم، الأناشيد الوطنية، وكل ذلك كسر في العام 1948 وبدأنا ننشد "غيشم با غيشم با غشيم با" (أي جاء الشتاء.. جاء الشتاء باللغة العبرية). اختلف النشيد، ولذلك أطلقت على تلك المرحلة اسم مرحلة الانشطار في أحد كتبي. إذن، طفولتي هي طفولة النكبة، أنا عشت النكبة بتفاصيلها، في حدود بلدي الذي يعكس ما جرى في مختلف أرجاء فلسطين. هذه الذكريات تؤسس القاعدة التي نشأت عليها أيضا تجربتي الشعرية في المفهوم الوطني.

 

"حق العودة": من المعروف أن قرية الرامة لم يتم فيها تهجير شامل للسكان مقارنة بعدد كبير من القرى الفلسطينية، ولكنها استوعبت اعدادا ضخمة من اللاجئين والمهجرين من القرى الفلسطينية المهجرة المجاورة. كيف رأيت واقع اللاجئين والمهجرين في تلك الفترة؟

 

القاسم: في الحقيقة، حدث تهجير انتقائي وكنا نحن، أي أنا وأسرتي، من أشد الناس خوفا من التهجير، وهربنا لبضعة ايام الى كروم الزيتون حين قصفت بلدتنا بطائرة صهيونية. ولكن قبل دخول قوات الهاجاناة الى البلدة، بيوم أو بيومين لا أذكر تماما حضر من يقول الى وجهاء الرامة لا تقاوموا ولن يصيبكم مكروه، ولذلك عندما دخل اليهود بدأت لعبة الطائفية دروز ومسيحيين. وعدد كبير من المسيحيين طلب منهم الهجرة، بعض الدروز كانوا قد هاجروا طوعا قبل ذلك، لكن طلب من عدد كبير من المسيحيين الهجرة من البلدة، وذهبوا شمالا الى بيت جن والبقيعة. ولكن شيوخ الدروز في الرامة أصروا إما أن نرحل جميعا أو نبقى جميعا، وبتدخل الشيخ كامل علي يوسف الأسعد من قرية بيت جن، والمرحوم يوسف بيك علي من قرية البقيعة وآخرين لدى قيادات الهاجاناة تمت الموافقة على عودة المسيحيين الى الرامة بعد أن نهبت الهاجاناة بيوتهم وأنا شاهدت ذلك من شباك منزلي وكنا في منع التجوال في ذلك الحين، ولكني شاهدت ذلك. وأذكر أننا خبأنا في منزلنا سيدة مسيحية من جيراننا وهي المرحومة كاملة شحوك، وأصرت على القول على أنها كاملة حسين، أي من عائلتنا وذلك حتى لا يمسها سوء نتيجة لجوئها في بيتنا، وبقيت حتى عاد أقاربها الى الرامة. اذن عملية التهجير حصلت، وكان هناك أيضا محاولة لقتل بعض الشبان، لكن تدخل آنذاك ضابط يهودي شاب، وجرى حوار عنيف، علمت لاحقا ان هذا الضابط كان بنيامين غونين الذي أصبح لاحقا من قادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي، وكان آنذاك على ما أعتقد في مبام، وتدخل ومنع ارتكاب مجزرة في الرامة، كما حدث في عيلبون أو في دير الأسد. إذن هذه هي الأمور التي أذكرها. في العام 1949 على ما اعتقد، أجبر اهالي قرية اقرث على ترك قريتهم والقدوم الى الرامة. أذكر أيضا قدومهم بالشاحنات العسكرية، ووعدوا بأنهم سيعودون قريبا وهم الى هذا اليوم، لم يعودوا رغم أنهم حصلوا على قرارات من محكمة العدل العليا ومن جهات أخرى، ولكن للأسف الشديد لم يتسن لهم العودة الى قريتهم الى يومنا هذا. كما تجمع نحو 50 الف لاجئ في قرية يركا مثلا، وكان الأهالي يهتمون بتوفير المياه والخبز والطعام لهم حتى عاد قسم كبير منهم الى قراهم كدير الاسد، البعنة والمكر والجديدة، وآخرون طبعا لم يستطعوا العودة.

 

"حق العودة": في رأيك، على من تقع مسؤولية وقوع النكبة او عدم تفادي وقوعها؟

 

أعتقد أن القوى التي واجهت النكبة لم تكن على وعي كاف في شؤون السياسة الدولية، البعض وضعوا ثقتهم في الانكليز ولم يأخذوا بعين الاعتبار أن الانكليز هم اصحاب وعد بلفور. وبعض القيادات الذي لا أشك في اخلاصها الوطني ولكني أشك في مدى وعيها السياسي، لم تدرك أن هناك لعبة سياسية عالمية ضد الشعب الفلسطيني وضد فلسطين. والقوى التي كانت على دراية سياسية وعلى وعي وطني كاف مثل عصبة التحرر الوطني آنذاك أتهمت بالخيانة لأنها حاولت تقليل حجم الكارثة والنكبة، ودعت الناس الى عدم الرحيل. صحيح كانت هنالك مجازر مثل دير ياسين وسواها ولكن كما حصل معنا جاءت شاحنة يقودها لبناني وقفت أمام منزلنا لنرحل. وأذكر أحد شيوخ العائلة، المرحوم حسين علي أسعد الحسين، إبنه محام في سوريا لديه معهد لتعليم اللغات ولديه مدرسة ثانوية، حاول استقدام العائلة الى دمشق، لكن هذا الشيخ الجليل قال: الموت في الوطن أفضل من الحياة في اللجوء والغربة، وقال إما الموت في الوطن وإما أن نعيش في الوطن. ولأنه كان كبير العائلة، فقد قبلت العائلة بعد نقاش طويل برأيه وقررت البقاء، حتى لو كانت نتيجة البقاء الموت. وأنا مدين لهؤلاء الشيوخ العقلاء والحكماء، لكنهم لم يكونوا الأغلبية من القيادات التقليدية، هم جزء منها ولكل بلد لها قياداتها التقليدية الخاصة. في حيفا مثلا، تم تشريد 80000 شخص وكان من الممكن أن يبقى جزء كبير منهم وهو ما كان من شأنه أن يغيّر الخارطة الديمغرافية للمدينة. ورغم أن عصبة التحرر الوطني دعتهم الى البقاء الا انهم انصاعوا وراء الدعايات: "غيبوا أسبوع واحد، سننظف حيفا من اليهود وتعودون"، والهدف كان تنظيف حيفا من العرب. تنظيف بين أقواس طبعا. المؤامرة كانت اكبر من الوعي السياسي السائد في المجتمع الفلسطيني للأسف الشديد. والبعض ارتكبوا الاخطاء، انا معك انهم كانوا وطنيين في جوهرهم.  اذن هذا الشعب كان ضحية الجهل والبساطة وتصديق الوعود. وكنت أسمع هنا حديث عن مدفعين لدى الجيش اللبناني أحدهم يدعى "سفير جهنم" والآخر يدعى "الغضب". وأن الجيش اللبناني اذا شغّل هذين المدفعين فسيمحق اليهود محقا كاملا وبعض الناس كانوا يصدقون هذا الكلام. وأما العقلاء فكانوا يقولون: هذا جيش [اللبناني] علبة العطارة، جيش المراية والمشط وتلميع الشعر. ليس له علاقة لا بمدفع غضب، ولا بسفير جهنم. 

 

إذن المجرم الأول هو الاستعمار البريطاني لا نقاش في ذلك. الجريمة الكبرى هي جريمة الاستعمار البريطاني، ومشروع سايكس-بيكو الذي خصص فلسطين الانتدابية لليهود، ولذلك ضمن لليهود كل بحيرة طبريا ونهر الاردن ومصادر المياه او ما يسمى اصبع الجليل. اذن هذه الخارطة هي خارطة اسرائيل وليست خارطة فلسطين، البعض يصنعونها من ذهب وكأنها خارطة فلسطين وعمليا هي خارطة اسرائيل رسمها البريطانيون لليهود وليس للعرب. بأي معنى تكون كل بحيرة طبريا تكون تابعة لفلسطين في الوقت الذي لم يتعد عدد السكان المليون؟ لماذا لم يعط قسم منها الى سوريا والاردن مثلا؟ لأن البحيرة لم تعط للعرب الفلسطينيين بل اعدت سلفا لليهود وتكون مصدر مياه لليهود الاسرائيليين. ونحن الفلسطينيون تبنينا جريمة سايكس بيكو تبنينها وندافع عنها. نرسم خارطة سوريا ولبنان والاردن ومصر والعراق، بمعنى ان الكل تبنوا مشروع سايكس بيكو وهو أسوأ مشروع بحق الامة العربية، وما زالوا يتبنون هذا المشروع الى يومنا هذا. في برامج الصحف، التلفزيون ترسم خرائط الدول والسؤال هو من رسم خارطة مصر؟ المصريون؟ ومن رسم خارطة العراق وسوريا والاردن وفلسطين؟ وكل هذه الخرائط؟ هل رسمها العرب؟ هل يعقل ان عربيا يرسم خارطة تجعل عائلتي أو عائلتك، وعائلتي حسين (القاسم هي فرع من عائلة حسين) معظم افراد عائلتي في سوريا ولبنان وفقط ربما الثلث فقط هنا. فباي حق تكون العائلة الفلسطينية الواحدة مكونة من اربع جنسيات في اربع دول، باي حق؟ اذن نحن تبنينا مشروع سايكس-بيكو، تبنينا الجريمة الكبرى بحق الشعب العربي وليس فقط في حق الشعب الفلسطيني.

 

"حق العودة": وماذا مع الدور الصهيوني في ما حدث؟

 

القاسم: الدور الصهيوني هو الدور الرئيسي. الاستعمار والصهيونية هما الطرفان الرئيسيان في وقوع النكبة بالطبع. والدور الصهيوني منع نشوء حالة يلتقي فيها اليهود والعرب في معركة ضد الاستعمار الاجنبي. من الممكن أن يكون العرب واليهود في فلسطين يناضلون سويا ضد الاستعمار الاجنبي من أجل دولة مستقلة ديمقراطية تكون للعرب واليهود، وهو الحل الذي طرحته عصبة التحرر الوطني الفلسطيني في البداية. ولم تتراجع عنه الا عندما تأكدت من استحالة تطبيق مثل هذا الحل. وقبلت بالتقسيم فقط بعد انهيار مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية للشعبين. آنذاك تبنت مشروع التقسيم وبقيت على خلاف مع المؤرخ الدكتور اميل توما رحمة الله عليه، الذي رفض في البداية مشروع قرار التقسيم، واضطر لاحقا الى تقديم نقد ذاتي. اذن دور الصهيونية والاستعمار كان دورا متكاملا. الرجعية العربية أيضا تواطئت مع الاستعمار، وهو ما نسميه، الثالوث المدنس. يوجد الثالوث المقدس، وهو الأب والابن الروح القدس، وهناك الثالوث الدنس ضد الشعب الفلسطيني، الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية. ولذلك ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فالحل كان نضال عربي يهودي ضد الاستعمار البريطاني لتحرير البلاد واقامة الدولة الديمقراطية العلمانية للشعبين. هذا لم يتحقق لان الصهيونية والرجعية العربية لم يفكرا في المصلحة التاريخية للشعبين، بل في مصالح آنية مرحلية للشعبين، وذاتية سلطوية، وحدث ما حدث.

 

أعتقد أيضا أنه من الانصاف الاشادة الى بعض الاصوات العقلانية من العرب واليهود مثل رئيس اتحاد العمال في حيفا وبعض القيادات اليهودية في حيفا. كان هناك كما فهمت شبه اتفاق على منع اللجوء الجماعي للعرب في حيفا، أي كانت معارضة عربية ويهودية أيضا لتشريد شعب بأسره، لكن هذه الاصوات أيضا قد قمعت، الاصوات اليهودية والعربية قد قمعت في العام 1948 واستمر قمعها لاحقا. ولا يجوز أن ننس أن أول محاولة اغتيال سياسي تعرض لها مئير فلنر اليهودي (أحد قادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي)، وليس اسحاق رابين. اذن حتى لا نسقط في وحل العنصرية والتعميم، يجب الاشادة بالديمقراطيين التقدميين اليهود، الذين رفضوا المشروع الصهيوني منذ بدايته، رفضوه وما زال قسم منهم يرفضه الى يومنا هذا. هم شركاء في حلم الدولة الديمقراطية العلمانية، لكنهم خسروا المعركة بسبب قوة الصهيونية والرجعية الدينية اليمينية اليهودية، كما خسر الأحرار العرب وشركاؤهم المعركة السياسية في الساحة العربية الفلسطينية. 

 

"حق العودة": كيف تطور الأدب الفلسطيني بشكل عام والشعر بشكل خاص في مرحلة ما بعد النكبة، وكيف تجلت النكبة في هذا الادب؟

 

القاسم: النكبة لم تبدأ في العام 1948، ومقدماتها بدأت منذ بداية القرن. ارهاصات النكبة موجودة في شعر ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وابو سلمى، ومطلق عبد الخالق ووديع البستاني واليعقوبي والشيخ النبهاني والفاروقي وعدد كبير من الشعراء والكتاب والمفكرين. بدات الارهاصات عندهم قبل 1948. وبعد النكبة مباشرة بقي هنا عدد قليل 150 الفا كأعلى حد بقيادات تقليدية بدون اطار باستثناء الحزب الشيوعي الذي استعاد انفاسه بسرعة ورتب صفوفه، وكان لا بد لهذه الأقلية القومية ان تنتج صوتها الشعري والادبي والفني بشكل عام، وبمرور الزمن ظهر جيل سامي العباسي وحنا ابو حنا وعيسى لوباني وحنا ابراهيم وتوفيق زياد وهم جيل الاوائل. ثم ظهر جيل راشد حسين وجمال قعوار وشكيب جهشان واحمد ريناوي واخرين، ثم ظهر جيلي وجيل محمود (درويش) وسالم (جبران) ونزيه خير لاحقا، وحسين مهنا ونايف سليم وفاروق مواسي واخرون في مرحلة لاحقة. لكن في البداية كان الصوت الطبقي غالبا. لكن التعبير الوطني القومي الفلسطيني اعتقد ان بداياته ربما تجدها في ديوان "مع الفجر" لراشد حسين، أو ديوان "مواكب الشمس" وهو ديواني الاول في العام 1958، ولاحقا في دواوين راشد حسين ومحمود درويش وسالم جبران ودواويني ودواوين آخرين. ولكن أساس ما يمكن أن يسمى وما سمي لاحقا بشعر المقاومة هو في أواسط الخمسينيات، من هناك بدأت. لاحقا اعتقد في عام 1965، كتبت قصيدتي "خطاب في سوق البطالة" والتي اشتهرت باسم "سأقاوم" واشتق منها كما يقول كثير من النقاد، اسم أدب المقاومة من هذه القصيدة التي طرحت الصراع ليس فقط على المستوى الطبقي بل أيضا على المستوى القومي والوطني. من هناك أعتقد بدأت النزعة القومية والوطنية في شعرنا بشكل أشد وضوحا. سابقا كانت تختلط المواقف الحزبية والطبقية بالمواقف الوطنية. الفرز الواضح بدأ في أواخر الخمسينيات اعتقد في اعمالي واعمال راشد حسين ولاحقا في أعمال محمود درويش وسالم جبران وآخرين. من هناك انطلق الادب الفلسطيني المقاوم، كما سماه الشهيد غسان كنفاني، من أواخر الخمسينيات.

 

"حق العودة": وكيف انعكست النكبة على قصيدة سميح القاسم بشكل خاص؟

 

القاسم: أنا ارفض أن تكون قصيدتي تأريخا. أنا لا أؤرخ للحدث القومي أو الوطني أو السياسي. أنا أكتب ردود فعلي. فالفن في جوهره عملية دفاع عن النفس، تحدي، تصدي مقاومة هي عملية دفاع عن النفس. والدفاع عن النفس يتخذ أحيانا صورة الهجوم. لكنه في الجوهر دفاع ضد قوى تريد الغائك ومحوك، ومحو ذاكرتك ووجودك. لذلك، وكما وصفها أحد النقاد، فان قصيدتي ليست قصيدة سياسية بالمفهوم السائد، بل هي قصيدة حياة، لان فيها تجد القضية السياسية والارض والمنزل والذاكرة، والتاريخ، والحب والشجر، والاطفال، والفولكلور والتراث الديني، تجد كل شيء. انها تعبير عن حياة وليست عن مجرد موقف سياسي. انا لم انظم ولا اؤيد نظم مشروع حزب أو مشروع حكومة، أو خطة تيار سياسي يعني ان تنظمها مثل الفية ابن مالك وتكون شعرا، هذا ليس شعرا في الحقيقة، انه نظم مفتعل. في ذات الوقت، وكما قلت قبل أيام لصحيفة النهار، أنه من يتنكر اليوم لمفهوم شعر المقاومة لا يمكن أن يكون في أي وقت من الاوقات شاعر مقاومة، لان المقاومة ليست خيارا، أن تكون مقاوما او غير مقاوم، هي أن تكون أو لا تكون. وأن تكون، معناها ان تدافع عن نفسك ووجودك، أن تقاوم .. ببساطة وبدون تعقيد. فالمقاومة ليست عملا بطوليا، هو عمل من أجل الدفاع عن الذات والوجود والنفس، عمل انساني بسيط جدا. وأنا ارفض هالات البطولة، لأن الانسان قد يحس بالضعف والقوة كأي انسان. وأحيانا يشعر بالاحباط، وربما يصل البعض الى درجة اليأس. وانا شخصيا أقول ان اليأس رفاه باهظ التكاليف لا أستطيع ان احتمل نفقاته. لا يجوز لك أن تيأس لانه يعني عدم جدارتك في الحياة او بالوطن، هذا معنى اليأس. وهذه مسالة لا يمكن أن أقر بها. لأنني جدير بهذا الوطن وجدير بهذه الحياة لانه وطني وحياتي. وقصيدتي لا ترسم الخرائط لا توجد خريطة في قصيدتي، يوجد وطن، وهو بلا حدود، لأنني وحدوي، ارفض الحدود. ولأنني ضد سايكس-بيكو فانا لا اعترف بحدود سايكس-بيكو. فالوطن عندي يمتد من المحيط الى الخليج، وفيه بقعة اسمها فلسطين، او كما في المراجع التاريخية، كورة في بلاد الشام، منطقة من مناطق بلاد الشام، وهذا ما تجده في قصيدتي.

 

"حق العودة": هل ما زال الشعب الفلسطيني يعيش النكبة؟

 

القاسم: طبعا. فالنكبة مستمرة. ما دام موضوع التشرد والاحتلال قائم فالنكبة مستمرة.

 

"حق العودة": يعتمد المجتمع الاسرائيلي على منهجية واضحة في نكران تورط الحركة الصهيونية في حدوث النكبة  وتهجير الفلسطينيين. ولكن المثير للعجب فعلا، كيف يستطيع المجتمع الاسرائيلي نكران النكبة بشكل شبه كلي على مدار 56 عاما من وقوعها، بالرغم من وجود الملايين من اللاجئين في المخيمات وخارجها لغاية هذا اليوم بدون حل لقضيتهم. الى ماذا يرجع ذلك برأيك؟

 

القاسم: أولا لا بد من العودة الى بعض المؤرخين الجدد الرئيسيين، الذين ينسفون الكثير من الاساطير والاوهام والدعايات. لا يستطيع بلاطوس البنطي غسل يديه من دم السيد المسيح، الجريمة وقعت. وللجريمة شركاء، ولا يتحمل الاسرائيليون وحدهم وزر هذه الجريمة، الرجعية العربية والاستعمار البريطاني شريكان واضحان في هذه الجريمة. أنا أعتقد ان المؤرخين الجدد يعبرون عن صحوة ضمير ونحن مطالبون بالتعاون معهم قدر الامكان باعادة صياغة التاريخ، بما يخدم السعي لمصالحة تاريخية، لا يوجد اليوم حل يلغي اسرائيل او يلغي الفلسطينيين، لا يوجد حل، لا عسكري ولا سياسي. ولا يمكن للعالم ان يقبل بحل يلغي أحد الطرفين، لا بد من حل تاريخي، يقوم على شكل من اشكال المصالحة التاريخية، رغم كل ما في ذلك من غبن قد يلحق بالفلسطينيين. حتى لو أعيدت كل فلسطين الى الشعب الفلسطيني هذا لا يلغي الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني طيلة قرن باكمله.

 

"حق العودة": كيف تنظر الى الذاكرة الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة، وهل هنالك خطر عليها؟

 

القاسم: لا توجد ذاكرة ممحوة، ولا يوجد خطر على ذاكرة الشعب الفلسطنيي، وكل الكلام الانشائي، كصيانة الذاكرة وحماية الذاكرة، كله كلام انشائي لا علاقة له بالواقع. هناك ألوف الاسر تحتفظ بمفاتيح بيوتها وهي ليست بحاجة الى من يجدد ذاكرتها. واللاجئون في لبنان وسوريا والاردن وفي أقاصي العالم ليسو بحاجة الى من يجدد او يحمي لهم ذاكرتهم. التقيت أصحاب ملايين من اصل فلسطيني في أوروبا الذين كانوا على استعداد للتنازل عن ملاييهم وملياراتهم في سبيل العودة الى البيت الطيني البسيط في احدى القرى المدمرة. اذن كل الكلام عن خطر زوال الهوية او الذاكرة والشخصية اعتقد انه نوع من اللعب الانشائي. ذاكرة هذا الشعب بخير ولا يستطيع أحد ان يمحوها على الاطلاق. حتى هذا الشعب يجسد قول الشاعر أحمد شوقي: وطني لو شغلت بالخلد عنه، نازعتني اليه في الخلد نفسي. حتى الجنة لا تنس هذا الشعب وطنه.

 

"حق العودة": ما هي الدروس والعبر من النكبة؟

 

القاسم: تجنب الانشاء والشعارات الطنانة الرنانة التي لا رصيد لها. التشبت بالعقلانية ودراسة موازين القوى، أخذها بعين الاعتبار، عربية اسرائيلية، اسرائيلية اسرائيلية، عربية عربية، موازين القوى في المنطقة والعالم. انت لا تستطيع التحرك وكانك على كوكب آخر، نحن على كوكب الأرض. وعلينا ان نأخذ كل هذه الامور بعين الاعتبار، أن ندرسها وأن نكف عن الشعارات الفارغة، "خلي السيف يقول يقول"، "وخلي السيف يحن يرن"، هذه الشعارات التي ضيعتنا يجب أن نتنازل عنها، وان نسلم امرنا الى العقل والمنطق والوعي الثوري الصحيح. بالمناسبة، هذه ليست شعارات ثورية، الثورية هي التعامل مع الواقع بوعي وعقلانية التي تقرب نهاية المأساة الفلسطينية.

 

"حق العودة": كيف ترى الحل؟

 

انا كشاعر لست مطالبا باقتراح حلول، وكما قلت فالقصيدة لا ترسم حدودا ولا خرائط، ولا تدخل في مفاوضات وتفاصيل فرعية تفاوضية، هذا ليس دور القصيدة ودور الشاعر. ولكن أنا لست مجرد شاعر، فلي دوري السياسي والفكري لدى أبناء شعبي وابناء امتي وفي العالم. اعتقد ان الاحتكام الى الشرعية الدولية على هشاشتها وركاكتها ورضوخها الى الهيمنة الامريكية الاسرائيلية، يظل الغطاء الممكن الوحيد. اما الانتظار للفارس العربي الذي ياتي على جواد أبيض من الشرق ليحرر الأميرة من قلعة الساحر الشيطاني فهذا وهم. آن لنا ان نتخى عنه لانه الحق النكبة بنكبة بنكبة، بنكسة بمصيبة بكارثة. ولم يوصلنا الا الى المزيد من الويلات والدمار والدم والدموع.

 

"حق العودة": كلمة أخيرة للشاعر سميح القاسم الى الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات في الذكرى السادسة والخمسين للنكبة؟

 

القاسم: ما عاذ الله ان تكون لي كلمة أخيرة. الكلمة الاخيرة هي الكلمة قبل الرحيل من هذا العالم. ما من كلمة اخيرة بيني وبين شعبي وأمتي وقوى الخير والسلام في العالم. بل المزيد من التشبث بالحق والكرامة والحرية والسلام والمنطق والديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان، كما افهمها انا وأنا لست بحاجة الى جورج بوش وطوني بلير من اجل ان يقولا لي ما هي حقوق الانسان والديمقراطية والحرية. اقترح عليهما وعلى أمثالهما وتلاميذهما ان يتعلوموا في مدرستنا نحن، في مدرسة دمنا ودموعنا وعذابنا وكفاحنا معاني السلام والحرية والتقدم وحقوق الانسان.


rorcoalition.org
© 2006 حقوق الطبع محفوظة للائتلاف الفلسطيني لحق العودة.