مخيم بلاطة، نابلس- في ساعات الصباح الأولى يعم الهدوء المكان، ولكن مع ساعات بعد الظهيرة يبدأ الأطفال والشباب من كلا الجنسين ومن مختلف الأعمار بالتوافد إلى مركز يافا الثقافي، فها هي عبير تذهب إلى المكتبة، ونور تقرأ قصة، وأحمد يتجه إلى قاعة الحاسوب ليلعب، أما فرح ورنين وعبد الكريم فيحملون آلآتهم الموسيقية ويذهبون لقاعة درس الموسيقى، وفادي ورسمي وعرين إلى المسرح، وهارييت تعلم الإنجليزية، وأسامة يلتقط الصور الفوتوغرافية... هذا هو حال مركز يافا الثقافي في مخيم بلاطة للاجئين، والذي تأسس عام 1996، ليكون الذراع الثقافي للجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، ذلك المركز الذي انطلق من غرف صغيرة، حيث يحاول أعضاؤه تحقيق رسالة إنسانية لا تتوقف عند حدود معينة، كذلك لم تستطع الأوضاع الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني عن إيقاف تلك الرسالة، ليصبح المركز عبارة عن شعلة ثقافية مضيئة، تنير أزقة مخيم بلاطة للاجئين، وتضفي هالةً على سكانه، وليضم المركز مكتبةً الطفل المتخصصة، وقاعةً للحاسوب، ومسرحاً، وبيتا للضيافة، إضافةً إلى أقسام مختلفة وفرق متنوعة.

الرسالة والأهداف
يسعى مركز يافا
الثقافي إلى تحقيق
رسالة وطنية ألا وهي
المساهمة في رفع
مستوى الوعي الوطني
والثقافي والفكري
والحضاري للإنسان
الفلسطيني، إضافةً
إلى تنمية قدراته
مهاراته. ويقول رئيس
مركز يافا الثقافي،
تيسير نصر الله: "بأن
المركز يسعى إلى بناء
جيل مؤمن بمفاهيم
العدالة والحرية
والديمقراطية وحقوق
الإنسان وذلك من خلال
التثقيف المدني
والمجتمعي، إضافةً
إلى الحفاظ على
التراث الفلسطيني
والفلكلور الشعبي،
وتعزيز العمل التطوعي
والمجتمعي وروح
المبادرة". ويضيف نصر
الله بأن المركز يعمل
أيضاً على نسج علاقات
متكافئة مع المؤسسات
المحلية، والعربية،
والدولية والتعاون
معها لاكتساب الخبرات
وتبادل المعلومات،
وتطبيق البرامج
المشتركة.
أما مدير مركز يافا
الثقافي، فايز عرفات،
فيؤكد أيضاً على أن
المركز يسعى إلى
تنمية قدرات الأطفال
والشباب فكرياً
وثقافياً واجتماعياً
وتوعيتهم بحقوقهم
وتأكيد تمسكهم بحقوق
اللاجئين وحق العودة،
وبناء جيلٍ قادر على
المساهمة في رسم
ملامح الكيان
الفلسطيني المستقبلي
والنهوض بالمجتمع
الفلسطيني ومؤسسات
المجتمع المحلي
وتطوير واقع المرأة
الفلسطينية.
ويضيف عرفات بأن
المركز ما زال مستمراً
بتحقيق كافة
الإنجازات التي يسعى
إلى تحقيقها، حيث
وبعد إنشاء المقر
الجديد للمركز عام
2004، قام المركز
بعدها، وبدعمٍ من بعض
المؤسسات الشريكة
بتجهيز مختبر
الكمبيوتر والإنترنت،
ومكتبة الطفل
المتخصصة، ومركزاً
إعلامياً، ومشارفة
الانتهاء من بناء بيت
ضيافة للمتطوعين
الدوليين، والذي أنشأ
تحت رعاية رئيس مجلس
الوزراء د. سلام فياض،
ومسرحاً وكافتيريا
ثقافية على سطح
المركز، إضافةً إلى
الإنجازات الأخرى
التي يقوم بها المركز
من خلال الدورات
والأنشطة والفعاليات
والتي تعمل على تنمية
الطفل والشباب
وإكسابهم مهاراتٍ
جديدة، والمساهمة في
تنمية المجتمع
الفلسطيني.
مكتبة طفل متخصصة
ودورات مستمرة
ولم تستطع الطفلة
يُسر خروب ذات الست
سنوات من أن تخفي
ابتسامتها وهي تقول
بأنها تحلم بأن يكون
لديها مكتبةً عندما
تكبر في السن، وتضيف
بأنها تأتي كل يوم
للمكتبة لترسم وتقرأ
القصص وتجلس على
الكومبيوتر. وهذا حال
الكثير من الأطفال
الذين يجيئون كل يوم
إلى قاعة المكتبة
لقراءة القصص، أو
الرسم والألوان،
وأحياناً مشاهدة بعض
الأفلام المفيدة.
وتأتي المكتبة، والتي
أنشأت بدعمٍ من مؤسسة
سعيد الخيرية، لتصب
في تحقيق الأهداف
والرسالة الإنسانية
التي يسعى المركز إلى
تحقيقها، حيث أخذ
المركز على عاتقه
عهداً بأن تبقى
أبوابه مفتوحة لخدمة
أطفال مخيم بلاطة،
وكل الفئات التي
يستهدفها في برامجه
المتنوعة.
وتعمل المكتبة على
تنظيم دورات متنوعة
في حقول مختلفة تخص
الطفل والأهالي، مثل
دورات رسم وورشات
فنية، وكتابة إبداعية،
ودورة الحكواتي التي
تعمل على تدريب
الأطفال على التعرف
على أسلوب الحكواتي،
وتعويدهم على سرد قصص
بأسلوبهم الخاص،
إضافةً إلى دورات في
مجال حقوق الطفل،
وتشجيع القراءة
للأطفال والأهالي،
وتنظيم مسابقات
ثقافية مختلفة
ومتنوعة للأطفال. كما
ونظمت المكتبة مؤخراً
مهرجان الطفل الأول،
بالشراكة مع مؤسسة
عرب السوالمة في
المخيم، وبدعمٍ من
البيت الفلسطيني في
مدينة تورونتو
الكندية. وتشارك
المكتبة في أسبوع
القراءة الوطني
لتعزيز وتشجيع
القراءة في المجتمع
الفلسطيني والذي
تنظمه مؤسسة تامر
للتعليم المجتمعي تحت
رعاية وزارة الثقافة.
ويقول مدير مكتبة
الطفل في المركز،
إبراهيم الجمال: "بأن
المكتبة تسعى إلى
تنفيذ العديد من
البرامج المتنوعة
والتي تستهدف الأطفال
من أجل بناء جيل
فلسطيني واع ومثقف،
وقادر على حمل
المسؤولية"، ويضيف
قائلاً: "بأن المكتبة
تساهم في عملية
التفريغ النفسي
للأطفال والتخفيف
عنهم من خلال
الفعاليات والبرامج
الترفيهية والتعليمية
في الوقت نفسه".
كما وتقيم المكتبة
شراكة مع المؤسسات
والجمعيات الأهلية في
المخيم والمدينة مثل
مؤسسة تامر للتعليم
المجتمعي، ومدرسة
إناث بلاطة الأساسية
الثانية، حيث تم
توقيع اتفاقية شراكة
معهم من أجل تنفيذ
العديد من الفعاليات
مثل تقوية في اللغة
الإنجليزية وورشات
عمل فنية ومسابقات
ثقافية.
ولا يقتصر دور المركز
على ذلك، بل يعمل على
تنفيذ العديد من
الدورات مثل دورة
الموسيقى والمسرح
والدراما والرقص
الشعبي "الدبكة"، حيث
يتعلم الشباب كيفية
العزف على الالات
الموسيقية المختلفة
مثل العود والكمان
والأورغ والجيثار،
إضافةً إلى الفنون
المسرحية والتمثيل
والدراما.
وقد أنشأ المركز فرقة
فنية سميت باسم "فرقة
عائدون"، والتي تعمل
في مجال المسرح
والفنون الشعبية من
أجل إحياء التراث
والفكلور الشعبي
الفلسطيني من خلال
الفن المسرحي الهادف.
وقد انتجت الفرقة
العديد من الأعمال
المسرحية وشاركت في
العديد من المهرجانات،
كما وقدمت عروضها في
كثير من دول العالم.
ويقول فادي مسيمي، 21
عاماً، وأحد أعضاء
الفرقة الفنية
التابعة للمركز بأن
مركز يافا الثقافي
وفرقة عائدون قدمت له
ما يحتاجه كإنسان ،
وعملت الفرقة منذ عام
2000 على صقل مواهبه
ومهاراته الفنية
والمسرحية، حيث كان
في السابق يتعلم
الدبكة أما الآن فهو
يدرب الشباب الأصغر
سناً منهلا على
الدبكة، ويسعى فادي
الى تعليم الجيل
الجديد ما تعلمه من
المركز.

ويضم مركز يافا أيضاً
مركزاً إعلامياً حيث
يقوم الشباب من مخيم
بلاطة بالتدريب على
كيفية إعداد الأفلام
الوثائقية وتصويرها
وإخراجها بطريقة
مهنية وحرفية عالية،
كما وشارك المركز في
الكثير من المهرجانات
السينمائية العالمية،
وحصل على عددٍ من
الجوائز. ويستمر
المركز أيضاً بتنفيذ
دوراته ونشاطاته
المختلفة والتي تعمل
على تنمية الشباب
وصقل مهاراتهم مثل
دورة الناشئة، وإعداد
الكادر الشبابي وحق
العودة، وإعداد
القيادات الشابة،
وحقوق الإنسان ودور
القانون، ودورة "صوتنا"
صوت اللاجئ الفلسطيني،
بدعمٍ من الاتحاد
الأوروبي، وبالتعاون
مع عدد من المراكز
المختلفة والتي تتوزع
في محافظات الضفة
الغربية مثل مركز
لاجئ في بيت لحم، حيث
يتعلم الشباب كافة
المهارات الصحفية من
كتابة الخبر الصحفي
إلى إخراج مجلة خاصة
بهم. كما ويستمر
مختبر الحاسوب بتنظيم
الدورات في برامج
الحاسوب المختلفة
وتصميم الصفحات
الإلكترونية للطلاب
والأهالي.
وتقول عبير حرب، 15
عاماً، بأنه لا يمر
يوم واحد دون أن تأتي
إلى المركز، وذلك
بسبب الفائدة،
واستثمار الوقت،
وتثقيف الشباب من
خلال المشاركة في
الدورات والنشاطات
المختلفة. وتضيف بأن
المركز وبرامجه ناجحه،
فالشخص الذي يكون في
المركز هو أيضاً شخص
ناجح. أما زميلها
رسمي عرفات، 21 عاماً،
فيقول: "من خلال مركز
يافا الثقافي شعرنا
بالفخر بتمثيل فلسطين،
ليس فقط داخل فلسطين،
بل خارجها، ومن خلال
المركز طورنا أنفسنا
وشخصياتنا، وبالنسبة
لي فالمركز ليس فقط
بيتي الثاني، بل هو
وطني الأول، مركز
يافا هو وطن".
رسالة لا تحدها
حدود
أما الرسالة التي
يسعى المركز إلى
إرسالها وتحقيقها،
فهي لا تحدها حدود،
بل تتجول هذه الرسالة
في مختلف بلدان
العالم، وذلك من خلال
النشاطات والمهرجانات
والبرامج الدولية
التي يشارك فيها
المركز. ويوكد محمود
صبح، منسق العلاقات
الخارجية في مركز
يافا الثقافي، على
الدور الذي يلعبه
المركز في تعريف
الجمهور الغربي على
تاريخ القضية والنكبة
الفلسطينية، وتاريخ
تأسيس مخيمات
اللاجئين بشكلٍ عام،
ومخيم بلاطة بشكل خاص،
ودور المركز في
المساهمة في تنمية
المجتمع والشباب
الفلسطيني من خلال
البرامج المتنوعة
التي يشارك بها
المركز والتي لا
تقتصر على المستوى
المحلي، بل على
المستويات كافة،
الوطنية، والعربية
والدولية، وأيضاً من
خلال الوفود الدولية
التي تحل ضيفاً على
المركز.
ويضيف صبح بأن المركز
يستقبل وفوداً دولية
بشكل يومي تقريباً،
ومن مختلف بلدان
العالم، حيث يقوم قسم
العلاقات الخارجية في
المركز بتعريفهم
بقضية اللاجئين وحق
العودة، والأوضاع
الإنسانية والمعيشية
في مخيم بلاطة،
والتعرف على ذلك عن
قرب , من خلال
الجولات التي يقوم
بها المتضامنون
الدوليون في المخيم،
برفقة متطوعي المركز.
كما وزار المركز
شخصيات دولية مرموقة،
وصاحبة قرار على
المستوى الدولي،
وأعضاء في الكونغرس
الأمريكي.
ويؤكد أيضاً على أن
المركز يستمر في
نشاطاته الدولية،
والمخيمات الصيفية
لمتطوعيه
وللمتضامنيين
الدوليين، والدورات
المختلفة مثل تعليم
اللغة الإنجليزية،
والتي يًدرسها مجموعة
من المتطوعين الأجانب
الأكفاء، خصوصاً وبعد
الإنتهاء من بيت
الضيافة الذي أنشأه
المركز تحت رعاية
رئيس مجلس الوزراء د.
سلام فياض.
نظرة مستقبلية
وبما أن رسالة المركز
لا تتوقف عند حد معين،
فإن المركز في تطور
مستمر سواء لأعضائه
ومتطوعيه أو من
الناحية المادية. فعن
النظرة والأهداف
المستقبلية التي يسعى
المركز إلى تحقيقها،
يقول تيسير نصرالله
رئيس المركز: نريد أن
يكون المركز نموذجا
ناحجاً، وقدوة
للمؤسسات الوطنية
الفلسطينية التي تعمل
على صقل الانسان
الفلسطيني وطنياً
وثقافياً ليساهم برفع
الظلم عن أبناء شعبه،
فالانسان الواعي هو
القادر على مواجهة
كافة المخططات
المعادية، وتحقيق
طموحات أبناء شعبه،
فنحن نسخّر كافة
برامجنا لهذا الغرض،
نحن دعاة تغيير حقيقي،
فلنبدأ بالانسان.
