الصفحة الرئيسية
 حول الائتلاف
 أعضاء الائتلاف
 اللقاءات التنسيقية السنوية
 نشاطات الائتلاف
 إصدارات الائتلاف
 تقارير صحفية
 روابـط
 إتصل بنــا
   




 

 

.

 

ملف خاص: صبرا وشاتيلا، أيلول 1982
 

ثقافة مذبحة

 

بقلم: عيسى قراقع

 

في كل عام يقف الشعب العربي الفلسطيني في الوطن والشتات أمام ذكرى مذبحة صبرا وشاتيلا، وتتجدد في كل عام النداءات والمطالبات لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين اقترفوا هذه المذبحة المأساوية عام 1982.

 

ان ذاكرة الشعب الفلسطيني أصبحت مزدحمة بالإحداث الأليمة وكأنها تحولت إلى سرديات ثقافية تعبر عنها نشاطات متنوعة وأدبيات وشعارات مختلفة هي في حد ذاتها تتصدى للنسيان والطمس والمرور عن الجريمة مروراً عابراً بل تعمل هذه الفضاءات الثقافية على إبراز المحتل كمسيطر ومجرم وعدو للإنسانية.

 

ومن يقرأ التاريخ الفلسطيني المعاصر فإنه يجده تاريخاً مليئاً بالمذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، فهو تاريخ مقاومة وصدامات وصراع بين شعب ومستوطنين غرباء، لهذا فإن الثقافة الفلسطينية أصبحت مصدراً من مصادر الهوية وأداة من أدوات إثبات الوجود والبقاء وتعبير عن سعي الشعب الفلسطيني للوصول إلى إنسانيته وحريته.

 

لقد تحولت المذبحة في ظل النظام العالمي الجديد إلى (مفهوم كوني) وجزءاً من العولمة ودواعي الهيمنة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، وبدت مذبحة البشر وإبادة الإنسانية على يد صانعي القوة تفتقد إلى خصوصيتها كأمر فظيع وشاذ عن السلوك البشري وتقاليد الحرب وأخلاقيات العلاقات بين الدول والشعوب.

 

والمذبحة بمعناها القتل الجماعي بحق السكان المدنيين واستخدام الأسلحة المحظورة والتحرر من أية دوافع أخلاقية وقانونية تم تغليفها بمفاهيم جديدة تستخدم كمبررات وأسباب لتحقيق الأهداف والمصالح الاستعمارية والاستحواذ على الشعوب وفرض حقائق جديدة، ومثل هذه الأغلفة تستخدم مبررات مثل محاربة الإرهاب وتحقيق الأمن وغير ذلك.

 

ان البشر في ظل النظام العالمي الجديد تحولوا إلى أشياء لا قيمة إنسانية لها...فالقيمة للقوة وليس للحق، وهذه ولدت انساقاً ثقافية ولغة تسعى ليس فقط لإقناع العالم بصحتها بل لإقناع الضحية ان ما يجري له من قتل ودمار هو أمر عادي وعقاب على تمرده على الأمر الواقع وعدم الاندماج في المتغيرات الحديثة.

 

والجدل المحتدم بين الضحية وإنسانيته في الأراضي الفلسطينية المحتلة يتصاعد منذ أربع سنوات حيث أصبحت المذبحة يومية ومشاهدها وصورها الفظيعة تحتل كل بيت وحارة وشارع وحديث وخطاب وأرقام الضحايا ترتفع وشلال الدم يفيض..

 

ولعل اخطر العقبات التي تواجه الشعب الفلسطيني في طريق تحرره من الاحتلال هو ان الواقع القمعي المكثف واليومي يمتص أولئك الذين بداخله ومن ثم يعمل على طمس الضمائر وتدجين الناس بحيث تصبح المذبحة أمرا روتينياً ودافعاً للشعب المحتل ان يعيد النظر في سلوكه في التعامل مع المحتلين وكأن المطلوب ان يدخل إلى واقع التخلي عن إنسانيته..

 

لقد نسي البعض ان التحرير هو ظاهرة إنسانية واعتقدوا ان قبول الضحية في داخلهم والاكتفاء بالذكريات هي وسيلة من وسائل التحرير لاكتساب عطف وإنسانية الآخرين والمحتلين.

 

وأمام هذه الفلسفة لم تعد المذبحة كمفهوم وممارسة تعني مجرد قتل البشر، بل صارت وسيلة لقتل الوطن وشطبه من جغرافيته الحضارية والثقافية ومن مقومات صموده في المستقبل.

ما يلفت النظر ان الرموز التي تستخدم في التعبير عن المذبحة بمعناها الشمولي السياسي والوطني والنضالي تستخدم كشعار ودعاية وبأسلوب تبشيري وسلبي، تصل في بعض الأحيان إلى تقديس وتمجيد الموت، إنها ثقافة تغرق في الذاتية غير قادرة على قراءة الواقع الموضوعي والانطلاق للامام من اجل التغيير.

 

فالشعب الفلسطيني الذي تم تشكيله وصياغته من خلال الاحتلال والاضطهاد الذي يحبذ الموت يتعين عليه إيجاد الطريق عبر نضاله إلى الانسنة التي تؤكد الحياة.

والناس ليسوا إما ذكريات مضت او قتلى افتقدوا...الناس هم ممارسة، والممارسة هي تفكير وعمل يغيران الواقع وهي مصدر المعرفة والخلق.

 

وعلى المفكرين والقادة ان يحرروا ويتحرروا مع الشعب وليس التعامل مع الشعب بطريقة "بنكية" وكمخزون لإثارة عواطفه وحماسه وأحزانه وغضبه.

 

على القادة ان يتخلوا عن النظر إلى واقع القمع الذي يعيشه الناس فقط من اجل كسبهم إلى صفوفهم.

 

عليهم ان يتوجهوا إلى الواقع الذي يتوسط بين الناس لقراءة برنامج التغيير لأنه لا يمكن ان يكون هناك نشاط إنساني وتحرر سياسي لو لم يكن الإنسان مشروعاً، قادراً على تجاوز ذاته مدركاً واقعه متمكناً من التدخل الانتقادي وجعله في الوقت ذاته محسوساً خارج بلاغيات الرثاء.

 

لقد استطاعت ثقافة المذبحة وعبر سنوات الانتفاضة ان تحول الإنسان الفلسطيني إلى كائن غير بشري، وتزرع في أعماقه الخوف من الحرية أمام سطوة الجرائم والانتهاكات اليومية، وقادت هذه الثقافة التي هي تعبير عن منهج وسياسة وتربية تهدف إلى دفع الفلسطيني إلى الاضطرار للتعامل مع تداعياتها وتقبلها.

 

وهذا ما فعلته مئات الحواجز العسكرية والمستوطنات والشوارع الالتفافية وبناء جدار الفصل العنصري وسياسة الاعتقالات الجماعية، واكثر من ذلك الإحساس الخادع لدى الضحية ان بإمكانه ان يعبر عن إنسانيته وان كان وهماً بممارسة حياة ديمقراطية وإجراء الانتخابات وتشكيل حكومة وبرلمان وممارسة دور المُحَررْ وإغماض عينيه عن واقع الاحتلال التعسفي.

 

ووصل الأمر إلى صياغة لغة مزدوجة، لغة الواهم انه يعيش في دولة ذات سيادة وهي لغة عالية ذات تفاعل كبير ولغة أخرى منكسرة لا تسمعها إلا في جنازات الشهداء وعلى السنة الفقراء والعاطلين عن العمل والمتكدسين على الحواجز العسكرية.

 

تعاني الجماهير الفلسطينية من ازدواجية في داخلها فهي تكتشف أنها لا تستطيع العيش بشكل حقيقي بدون حرية ومع ذلك تخافها، لأن ثقافة المذبحة جعلتها مجزأة منقسمة محتارة بين خيارين إما ان تلفظ المحتل القابع في داخلها او ان لا تلفظه...بين التضامن الإنساني والاغتراب...بين ان تكون متفرجة او لاعبة...بين العمل او الوهم...بين الجهر بالقول او الصمت...بين التحايل على الألم او الصراخ...بين لغة تحرر وطني او لغة مجتمع مدني اصبح مدمراً تماماً..

 

ثقافة المذبحة هي أيديولوجيا الشعوب المضطهدة التي استوعبت كونها مضطهدة وخضعت لثقافة القمع والتي صاغها المحتل مستسلمة لصراخ الضحية فيها دون البحث عن أدوات ثورية فاعلة والتصرف وكأنها غير مضطهدة..

 

والحرية ليست مثلاً أعلى خارج الإنسان كما أنها ليست فكرة تحولت إلى خرافة وتراث وأمجاد وبطولات سابقة، إنها الحالة التي لا غنى عنها في السعي لاستكمال إنسانية الإنسان.

 

هذا المفهوم لا تتقبله ثقافة المذبحة بل تسعى إلى شطبه وعياً وثقافةً وسلوكاً وهو ما يفسر الهجوم الإسرائيلي المحموم ومن أعلى المستويات على من حاولوا استعادة إنسانيتهم من جنود وضباط وطيارين إسرائيليين تمردوا على الخدمة العسكرية بعد ان استيقظت ضمائرهم أمام هول الكارثة التي تجري بحق الشعب الفلسطيني وأمام الأوامر السادية وغير الأخلاقية التي يتلقونها من مسئوليهم في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين.

 

لقد أدرك هؤلاء ان ثقافة المذبحة التي تنفذها الآليات العسكرية والممارسات العنصرية هدفها تدمير الحياة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي معاً.

 

فمن هنا تبرز أهمية الدور القيادي الذي يجب أن يقوم به السياسيون والمثقفون الفلسطينيون وكافة الفصائل الفلسطينية من اجل كسر الدائرة المغلقة المحيطة بالشعب الفلسطيني والعمل والنضال لاسترداد إنسانية الطرف الآخر وآدميته.

 

فالمهمة الإنسانية العظمى والتاريخية تكمن بتحرر الشعب الفلسطيني مترافقة جدلياً مع تحرير إرادة الإسرائيليين من عقدة الخوف والفوقية وكره الآخرين...تحريرهم من ثقافة المذبحة.

 

انتهى


rorcoalition.org
© 2006 حقوق الطبع محفوظة للائتلاف الفلسطيني لحق العودة.